منيرة بالوش (عيني عينك) – “ياريتني متت بالسجن وماطلعت” تغص باسمة بكلماتها، وهي تحاول اختصار معاناتها بهذه الجملة بعد أن واجهت خذلان الأهل والأصدقاء والمجتمع لدى خروجها من المعتقل للمرة الثانية في 2018.

اعتقلت باسمة المرة الأولى في الشهر الخامس 2013 من #الغوطة_الشرقية بسبب عملها في مشفى ميداني، وقضت في المعتقلات سنة ونصف تنقلت فيها بين عدة أفرع أمنية، وتعرضت خلالها لمختلف أنواع التعذيب والعنف الجسدي التي تركت أثرها على جسدها حتى اليوم.

تتعرض المعتقلات في سجون النظام إلى مختلف أنواع التعذيب ما بين ضرب وشبحٍ واعتداءات ذات طابع جنسي وإهانات لفظية بالإضافة للتجويع والإهمال الصحي الذي يسبب مختلف أنواع الأمراض.

وثّق تقرير صادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان عام 2019 ما وصل عدده إلى 72 أسلوب تعذيب يمارسه النظام السوري في مراكز الاعتقال والمشافي العسكرية التابعة له، وبحسب التقرير فإن أنماط التعذيب الرئيسة تشمل التعذيب الجسدي والإهمال الصحي والعنف الجنسي والتعذيب النفسي وإهانة الكرامة الإنسانية”.

أكدت باسمة أنها تعرضت لكل أنواع العنف السابقة، منذ الأيام الأولى لاعتقالها بقصد إذلالها وإهانتها، وذلك أحد أساليب التعذيب الممنهج الممارس بحق المعتقلات في سجون النظام السوري.

حكم على باسمة بالسجن 15 عام بتهم عديدة منها تمويل الإرهاب، غير أنها خرجت بمبادلة بين النظام والجيش الحر آنذاك وتعهدت بعدم دخولها إلى الغوطة مرة أخرى.

“قتلوا فيّ الحياة ” تقول باسمة: “كنت فتاة قوية طموحة قبل الثورة أساعد والدي في مزرعتنا بالغوطة الشرقية ولكني اليوم لا أقوى على مساعدة نفسي!”.

خرجت باسمة إلى #دمشق ومنعت من الدخول إلى الغوطة مرة أخرى، وهناك رفضت عمتها وكذلك رفض أخوالها استقبالها كونها خارجة من السجن ولأنهم “يخافون على سمعتهم”.

أمضت باسمة أياماً، غريبة وحيدة في شوارع المدينة إلى أن استقبلها ابن عم أمها وتقدم لخطبتها، وافقت باسمة دون تردد فلا خيار لديها، بعد أن تخلى الجميع عنها.

بعد شهرين حاولت باسمة الدخول للغوطة لتلتقي والدتها وأخويها الصغار، فتم اعتقالها مجدداً غير أنها هذه المرة كانت حاملاً. في نفس الوقت تعرض زوجها للاعتقال أيضا ومات تحت التعذيب بعد فترة قصيرة من اعتقاله.

عادت باسمة إلى السجن مرة ثانية، لتشهد عذاباً مضاعفاً من قبل النظام وعناصره، فهي لم تنسى بعد ما تعرضت له في اعتقالها الأول من ضرب وإهانة وأمراض كثيرة ليس آخرها الجرب الذي نهش جسدها وبقيت آثاره إلى الآن.

أمضت هذه المرة ثلاث سنوات ونصف حيث أنجبت ابنها “محمد” وعاش معها طيلة فترة السجن التي تنقلا فيها بين فرع المهام الخاصة وفرع الجوية وليتم تحويلهما أخيراً إلى سجن #عدرا. أُخلي سبيلها في النهاية بمبادلة أيضا وتم ترحيلها مباشرة إلى الشمال السوري المحرر مع المهجرين قسرياً من الغوطة.

وصلت باسمة إلى محافظة إدلب، حيث توقعت أن تتنفس الحرية التي سلبت منها خلال سنوات اعتقالها وتعود لتكمل حياتها بين أهلها ولكنها أصيبت بصدمةٍ كبيرة أمام تصرفات المحيط والمجتمع من حولها، من نظرتهم إليها وإلى ابنها الصغير فكثيراً ما سمعت كلاماً مهيناً بحقهما مثل كون ابنها “ترباية حبوس”. تروي باسمة كيف تخلى عنها أقرب الناس إليها، فأمها رفضت الخروج من الغوطة بعد وفاة والدها ولم يبقى لها سند كما تقول، حتى أولاد عمها الخمسة تبرؤوا منها، وزوج أختها رفض وجودها معهم في منزل واحد.

تكرر باسمة عبارتها الأولى “لو أني مت في السجن كان أهون عليّ من نظرة المجتمع لي وتعاملهم معي بعد الاعتقال”.

وحيدة من جديد، ضعيفة ومكسورة تعيش باسمة التي لم تتجاوز الثلاثين من عمرها بعد، فلا عمل لديها ولا معيل لها ولطفلها، الأمر الذي دفعها للزواج من رجل أجنبي، وهو مهاجر من روسيا يقاتل في صفوف المعارضة.

تزوجت باسمة من رجل غريب بكل معنى الكلمة بسبب ظلم الأقارب حولها، أجبرت على الزواج لتسكت أقاويل الناس من حولها، وتسكت نظرات الناس إليها كلما دخلت وخرجت.

سرعان ما تبخرت أحلام باسمة بالاستقرار وإيجاد الأمان مع زوجها، فهو مختلف الطباع وسريع الغضب. تعرضت للضرب على يده لتجد أنها لم تنج من التعنيف بعد خروجها من السجن.

أنجبت باسمة طفلتها “رؤى” من زواجها الأخير دون أن تحظى طفلتها بإمكانية تثبيت اسمها ونسبها بأوراق رسمية. لم تهتم باسمة لهذه التفاصيل كثيراً، إذ لا يعنيها سوى أن تتمكن من البقاء بجانب أطفالها وحمايتهم قدر المستطاع.

باسمة هي واحدة من مئات النساء اللواتي نجون من الاعتقال ولكنّهن واجهن بعده قيوداً أخرى رسمتها نظرة المجتمع لهن وتعامل المحيط معهن كأنهن جناة لا ضحايا. تحتاج باسمة وكلّ من مررن بتجربة مشابهة لتجربتها إلى وقوف المجتمع بكل أفراده ومؤسساته المدنية إلى جانبهن ومساعدتهن حتى تصبحن ناجيات.

منيرة بالوش