سارة النجم (عيني عينك) – يعرف علماء الاجتماع الأسرة بأنها: “جماعة اجتماعية أساسية ودائمة ونظام اجتماعي ورئيسي، وهي ليست أساس وجود المجتمع فحسب، بل هي الأخلاق والدعامة الأولى لضبط السلوك والإطار الذي يتلقى منه الإنسان أول دروس الحياة الاجتماعية”.

كل أسرة تعد وحدة فريدة من حيث طبيعة تركيبها والأدوار المختلفة لكل أفرادها، وتطرأ عليها تطورات تبعاً للبيئة المحيطة والقيم الخاصة لأفرادها.

واجهت الأسرة السورية كتلة من المتغيرات الجوهرية التي طرأت على أسس وطرق تكوينها، بعد الثورة الشعبية التي اندلعت في البلاد، إضافة إلى انتشار الثورة التقنية التي كان لها دور فعال في تطبيق السلوكيات الجديدة، فهذه التبدلات ضربت الأسس التي كانت تسمى بين السوريين بالعادات والتقاليد والتي يمكن تعريفها بالخطوط الاجتماعية الحمراء التي يصعب تجاوزها، إن صح التعبير، إلا أن آلية الوصول لتشكيل العائلة السورية اليوم لم تعد كالأمس، منها التجارب الإيجابية وأخرى كانت بنتائج عكسية لم تنجح في تحقيق المرجو منها.

أعباء المجتمع

تُكسب التجارب والخطوات الجديدة التي يقوم بها الشباب لسوريين والسوريات إمكانية التحرر من عبء مجتمعي يعقد خطوة تأسيس الأسرة، ويربطها بالمجتمع أكثر مما يربطها بالأفراد المعنيين بها، كما أنه يقيد دور كل من الرجل والمرأة بحكم مسبق بما يتعلق بالمسؤوليات المادية، بينما يتيح الاستغناء عن كثير من هذه التعقيدات، مقابل التركيز على جوهر خطوة بناء أسرة أكثر من ظاهرها، وبأن لا تكون استجابة لضغوط مجتمعية بل نابعة عن إدراك للمسؤوليات المرتبطة بهذه الخطوة، بالإضافة إلى أنها تسمح بالبناء على أسس متساوية بين الطرفين ومسؤولية مشتركة على كافة الصعد.

لم يشق هذا التغيير طريقه بلا مقاومة بالطبع، في أوساط ما زالت تتمسك بالحفاظ على تقاليدها، لكنها ستضمر مع الزمن أو ستواجه صعوبات بالاستمرارية بحكم أنها ستقابل تدريجياً باستهجان ورفض مجتمعي.

انقسام المجتمع

لم تكن هجرة السوريين نحو دول العالم بإرادتهم، رغم اختلاف بنيتها وطريقتها العامة، وعليه فإن المهتم بدراسة الظواهر الاجتماعية يلاحظ أن السوريين انقسموا إلى قسمين:

الأول: حافظ على عاداته وتقاليده وطريقة اختيار الزوجة أو الزوج مع قليل من الانفتاح على عادات البلد المضيف وخاصةً تركيا، فكثيراً ما نسمع عن شاب في ألمانيا يكلف أهله وأقاربه لاختيار شابة من سوريا أو العائلات السورية المقيمة في تركيا أو الأردن أو لبنان لتكون زوجة المستقبل له وهي النسبة الأكبر.

أما القسم الثاني ونسبته قليلة فقد تماهى مع عادات المجتمع الذي لجأ إليه، وفي كلا القسمين نلاحظ أن الشاب أصبحت لديه نظرة أكثر إيجابية عن المرأة ودورها مما كان عليه في سوريا الذي يعد مجتمعها ذكورياً إلى حدٍ بعيد.

وبشكلٍ عام فيما يتعلق بمسألة الزواج فقد طفت على السطح مجموعة من الظواهر منها السلبي ومنها الإيجابي مثل عزوف الشباب عن الزواج بسبب غلاء المهر الذي يطالب به أهل الفتاة لضمان وتأمين حياة ابنتهم في هذه الظروف المضطربة وغير المستقرة.

إضافة، إلى نضج شخصية الفتاة عندما يتقدم لخطبتها شاب وذلك من خلال مطالبتها الاعتراف بحقوقها التي تحاكي في جزء منها عادات المجتمع المضيف كاستمرار تعلمها حتى التخرج في ولاية أخرى مثلاً يجري في تركيا في مجتمع السوريين.

مجتمع محافظ

 يعد المجتمع السوري، قبل الثورة السورية من المجتمعات المحافظة عموماً، تلعب فيه العادات والتقاليد دوراً هاما في توجيه سلوك الأفراد والأسر وخصوصا في قضية تكوين الأسرة وعادات الزواج.

كانت الصورة المثالية للزواج أن تختار أسرة الشاب زوجة ابنهم بناء على العلاقات العائلية والقرابات من جهة الأب أو الأم، ليكون هذا الأسلوب هو الأكثر شيوعاً لعشرات السنوات الماضية، فالأسرة تنظر لابنها على أنه قاصر عديم الخبرة والحيلة ولا يعرف مصلحته وما يناسبه، فيتحرك الأبوان إلى التشبيك مع مجتمعهم المحلي من صداقات وأقارب لإيجاد الزوجة المناسبة، وغالبا ما يكون الاختيار للأم، فهي من تقدر مناسبة الفتاة لابنها. وفي المقابل كانت هذه الأسر وإلى وقت قريب تتحكم في اختيار زوج ابنتهم وفق معاييرهم وعاداتهم.

تصدعات إبان الثورة

لا شك أنّ هذا الأسلوب التقليدي في تشكيل الأسرة في بعض البيئات السورية المحافظة كان له بعض المحاسن في بعض الحالات، إلا أنه لا يمنح ضمانة أكيدة لتكوين أسرة مستقرة، فالزوج لا يقابل شريكة عمره إلا لقاءاً واحداً أو اثنين ولمدة دقائق قبل الموافقة وبدء الحياة الزوجية المليئة بالتناقضات والأحداث.

 لقد رافقت الثورة السورية تصدعات اجتماعية وأخلاقية كبيرة كانت الأسرة السورية أحد ضحاياها حيث اضطر ملايين الناس للجوء والنزوح من داخل سوريا وخارجها بحثا عن الأمان والاستقرار والمعيشة، مما تطلب منهم العيش في بيئات جديدة ومع أناس مختلفين عنهم في العادات والقيم.

فيما صاحب ذلك كله أيضا اضطرار المرأة السورية إلى الخروج إلى العمل بكل طاقتها لتأمين متطلبات العيش لأبنائها أو أسرتها، خصوصا مع غياب عشرات الآلاف من الرجال والشباب في سجون النظام السوري، واستشهاد عشرات الآلاف أيضا في المواجهات الميدانية، ما اضطر المرأة السورية إلى الاختلاط مع مجتمعات جديدة واكتسابها ثقافة هذه المجتمعات المضيفة.

وكما تقدم أن المجتمع المعاصر، وفق ذات المصدر، الذي تعد ثورة الاتصالات سمته المعاصرة أصبح موجهاً جديداً للقيم الشخصية للأفراد، وليس شباب سوريا وفتياتهم بمعزل عن هذا الفضاء الافتراضي الواسع وما يحمله من نظرة جديدة للحريات ومفاهيم جديدة للأسرة والعادات والتقاليد، الأمر الذي أظهر لنا أنماطاً جديدة من السلوكيات ظهرت في المجتمعات السورية اللاجئة والمهاجرة.

يعد تكوين الأسرة السورية أحد المؤشرات الساطعة على تغييرات جذرية في أنماط التفكير والتحرر من الطرق التقليدية في الزواج التي عرفت به الأسرة السورية قبل الثورة السورية.

لقد أصبحنا نجد أن الشاب يختار زوجته التي تعرف عليها من خلال الدراسة أو العمل ويتوجه لخطبتها بعض النظر عن موافقة أسرته أو رضاهم.

وفي المقايل نسمع عن حالات كثيرة لفتيات تفرض على أهلها زوجها الذي ترغب به، ولا شك أن للمرأة والفتاة الحق في اختيار زوج الحياة، لكننا كسوريين لم نشهد سابقا تحدي الفتاة لأسرتها بأنها ستتزوج فيمن ترغب وحتى في حالة عدم موافقتهم، الأمر الذي يعني مزيدا من التصادم داخل الأسرة وحدوث شروخ نفسية بين أفرادها.

مع يقيننا بأحقية الفتاة بأن تتزوج ممن تحب، ولكن مع ضرورة مراعاة قبول الأبوين ومباركتهم لهذا الزواج.

تحدّيات التعارف عبر العالم الافتراضي

في ظل ظرف الشتات الذي يعيشه السوريين لجأ الكثيرون والكثيرات إلى التعارف الافتراضي كبديل عن اللقاء الواقعي الذي تعذرت ظروفه، وهو أمر وإن كان ينجح في بعض الأحيان لكنه يتعثر في أحيانٍ أخرى مع تحدياتٍ كبيرة مثل اختلاف الصورة التي يقدمها المرء عن نفسه بين الواقع وبين الافتراضي الذي يسهل فيه تزييف صورة يرغب كل من الطرفين بتصديرها للآخر. كذلك يحدث كثيراً أنّ التوقعات التي يبنيها كل طرف عن الآخر قد تخيب في الواقع مما يسبب خيبة أمل قد تؤدي لإنهاء العلاقة.

يمكننا القول إن تكوين الأسرة السورية اليوم أصبح ضمن إطارات جديدة بعيدة عن العادات والتقاليد المتعارف عليها، كان لهذه التغيرات مظاهر إيجابية إلى حد ما، من سهولة الزواج وانعدام الشروط التعجيزية لأسر الفتيات، إلا أننا في الوقت نفسه نلاحظ تصدعات هائلة في بنية الأسرة السورية من خلال مؤشر كثر حالات الطلاق بشكل مرعب. الأمر الذي يؤشر إلى خلل وعدم نضح في الاختيارات ابتداء وهنا يلزم الباحثين الاجتماعيين المزيد من الدراسات الميدانية للتوقف على هذه الظاهرة التي تجتاح الأسرة السورية في بلدان اللجوء خصوصا للوصول إلى الأسباب وعلاجها.

سارة النجم