سالي آدم (عيني عينك) – تصدٌ خبرٌ مقرونٌ بالصور مواقع التواصل الاجتماعي حول مقتل امرأة في قرية الفيرزية التابعة لمدينة #أعزاز شمال حلب، وفي كل هذه المواقع إن حاولت باحثاً عن معلومة مفيدة تحدد السبب الحقيقي حول جريمة القتل، لن تجد أكثر من المعلومات التي تشير إلى هوية الضحية وهوية القتلة، وأيضاً ستجد معلومة من المعلومات المسلّم باستخدامها عند أي محاولة لتخفيف هول الفظاعات في الماضي والحاضر وربما المستقبل “القتل بداعي الشرف”.

أكثر من عشر مواقع نقلت الخبر بشكل شبه حرفي عن تصريحات السلطات المحلية حول جريمة القتل وكان ملخص الخبر كالتالي:” بيان ب تبلغ من العمر 27 عاماً مطلقة وأمٌ لثلاثة أطفال، من حي الكلاسة وتعيش في مخيم باب السلامة، وجدت مقتولة في قرية الفيرزية بتاريخ 6/8/2020، وقد ألقي القبض على خالها وزوجته اللذان اعترفا بجريمة القتل بداعي “الشرف”، وقد تم إحالتهما إلى القضاء” وهكذا انتهى الخبر.

عندما تكون الجريمة بحق امرأة في الشمال السوري  لن تحصل على معلومات أكثر، وعندما تقرأ الخبر على أي وسيلة تواصل اجتماعي أو أي موقع من المواقع الإخبارية لن تجد أكثر مما ذكرته أنفاً، وإن حاولت السؤال عن سبب القتل الحقيقي ستواجه الصد وعدم الرد أو ستتلقى المعلومة ذاتها “بداعي الشرف” وكأنها عبارة سحرية لتقبل الأمر، سواء من السلطات المحلية أو من المجتمع قريب الصلة بالمجني عليها، والذي ربما تناسبه هذه المعلومة وتخفف عنه الإحساس بالذنب تجاه المرأة المقتولة، فالشرف يبرر أي فعل من هذا النوع وخاصة إن تم إلصاق التهمة بامرأة.

في مواقع التواصل الاجتماعي لن تجد أن هذه المرأة كانت تبحث عن فرصة عمل لتسد حاجتها وحاجة أطفالها في العيش الكريم، ولن تجد أنها وجدت فرصة العمل قبل مقتلها بأيام قليلة فقط، ولن تجد أن فرصة العمل التي وجدتها فريدة من نوعها في منطقة وتتطلب شجاعة استثنائية في مجتمع لم يعتد هذا النوع من العمل للمرأة، لن تجد سوى أخبار الوكالات وبيانات السلطات المحلية التي لم تحدد ما هو “الشرف” الذي أهرق دم بيان، إن كانت قد قتلت فعلاً بسببه.

وكانت الصدفة، قبل مقتلها بيومين هي من جمعتني ببان، عندما كنت متوجهة مع عائلتي إلى منطقة عفرين، قبل أن يستوقفنا مطعم افتتح حديثاً في مدينة أعزاز، حيث جلسنا في قسم العائلات وماهي إلا بضع دقائق حتى جاءت امرأة تسألنا “ماذا تفضلون أن نقدم لكم”، امرأة تسأل!

أثارني الفضول والدهشة، امرأة تعمل نادلة في مطعم! كيف؟ ومنذ متى؟ وكيف استطاعت العمل بهذه المهنة وفي هذه المنطقة التي لم تتقبل بعد أن ترى المرأة تعمل خارج نطاق الأعمال النمطية التي يسمح المجتمع بها، فأخبرتها أنها أول امرأة في هذه المنطقة تعمل نادلة فأجابت بيان: ” سواء أكنت أول امرأة أو لا، فما يهمني أنني أحببت هذا العمل، وطالما أنه يؤمن لقمة كريمة لعيشي وعيش أبنائي فهو عمل جيد” ثم انصرفت لتكمل عملها وتلبي طلبات الزبائن في المطعم، وقبل مغادرتنا سألتها إن كان بالإمكان أن أراها مرة أخرى لأعرف عنها أكثر، أو أن أكتب تقريراً صحفياً عن تجربتها فأذنتِ لي.

مر يوم أو يومان بعد لقائي بها، ثم انتشر خبر مقتلها الذي لم أصدقه أول الأمر، فلم أعدم الوسيلة في التأكد من صحة الخبر وسبب القتل، ذهبت إلى المطعم عدة مرات لأراها ولكنها لم تكن موجودة، وعند سؤالي عنها قيل لي بأنها تركت العمل فيه، وأناس تواصلت معهم نقلو لي قصص مختلفة حول سبب القتل منها رفضها الزواج من قريبها، ومنها عملها كنادلة في المطعم. ولا وسيلة للتأكد من دافع هذه الجريمة، ولا مجال للسؤال عميقاً في الاجراءات العقابية المحتملة للجناة.

النتيجة أنّ بيان قد قتلت واعترف المجرمون بالقتل وتمت الإحالة إلى القضاء تحت اسم “جريمة شرف” والتي ينتظر أن تكون مخففة، وهذا ما يشجع آخرين لاستسهال القيام بجريمة بحق ابنة أو أخت أو زوجة.

ترقد بيان في قبرها، فيما ينصرف الناس إلى تكاليف حياتهم، ريثما تسقط امرأة أخرى تحت سطوة العنف والمجتمع الذكوري، وقيم رجعية، فيتم تداول خبر مقتلها بعبارات إدانة مخففة، وتبريرات ذكورية، لتعاد الكرّة، ويصبح مقتل امرأة، مجرد خبر.

سالي آدم