IHH/AP

إيمان داراني (عيني عينك) – تطل من بعيد بقوامها الممشوق الذي أهزله المرض، وبخطوات بطيئة كأنها في عقدها السابع، ووجهٍ يعلو محياه ابتسامة الأمل رغم شحوبه، إنها الشابة “لونا” من مدينة #إدلب .

أصيبت “لونا” بسرطان الثدي منذ  عدة سنوات وخضعت لعمل جراحي ولعلاج كيماوي في #تركيا لكنها اليوم تعاني من مضاعفات لمرضها السابق بعد أن أكد الأطباء شفاءها سابقاً،  وبحسب تشخيص الأطباء فقد وصل المرض إلى كبدها، وفي مثل حالتها لابد من تحويلها للعلاج في تركيا، لم يكن خبر وصول المرض لكبدها هو ما تسبب بانهيارها بل ما قاله الطبيب المخبري بعد أن أرسلها طبيبها إليه من لأخذ خزعة من الكبد: “لا داعي لذلك. لا فائدة  فقد فات الأوان، ولا علاج ممكن إلا في تركيا”. كانت قبل قليل تحدث زوجها عن خططها المستقبلية في الأيام القادمة،  ويحدوها أمل كبير بالحياة، فهي من تغلبت على المرض منذ سنوات.

يعيش الشمال السوري منذ أزمة كورونا حالة أشبه بالسجن الكبير بعد أن أغلقت المعابر بينه وبين تركيا، ويزداد الأمر سوءاً مع استمرار اغلاق المعابر مع النظام  السوري للتبادل التجاري، وبدأت الصيدليات تفقد الكثير من أنواع الأدوية الضرورية كأدوية السكري والضغط والمضادات الحيوية  ومسكنات الألم، وتحوّل الحصول على الدواء إلى عبء جديد يضاف إلى قائمة أعباء أهالي إدلب، والمناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، سواء كان ذلك بسبب فقدانه من الأسواق أو توافره بأسعار عالية، ويرى مراقبون أن من أسباب ذلك سيطرة النظام على معامل الأدوية بريف حلب، وبذلك أصبحت بعض الأدوية تصل إلى الشمال السوري عبر طرق التهريب، في الوقت نفسه تراجعت قيمة الليرة السورية أمام الدولار، وهذا انعكس عبر رفع تكاليف الدواء، حتى ارتفع سعر الدواء السوري ما بين 52 إلى 100%، أما الأدوية المستوردة فقد ارتفعت بنسب أكبر.

التحويلات الطبية إلى تركيا باتت أمراً معقداً بعد انتشار إصابات بفيروس #كورونا في مناطق عدة من تركيا، حيث تم إغلاق المعابر بشكل تام إلا للحالات الصحية الموصوفة بالإسعافية، والتي لا يمكن تأجيلها، ومن المؤسف أن تصنف حالات مرضى السرطان والقلب والعصبية وحتى الخدج، وغيرها بالباردة في ظل ضعف إمكانيات مشافي الشمال في الكتير من التخصصات، وتدمير النظام السوري لعدد كبير منها وانقطاع دخول الأدوية عن الشمال، مما يضطر المريض للعلاج في عيادات الشمال ومشافيه الغير مؤهلة لاستقباله أصلا.

السيدة “أم محمود” من مهجري ريف دمشق تعاني من ورم في الدماغ، كانت قد أجرت عملاً جراحياً لعلاجه لكنه عاد للانتشار، وبعد أن تم تحويلها إلى تركيا قبل أكثر من ثلاثة أشهر وتحديداً قبل يوم من سفرها تم إغلاق المعبر، واضطرت أن تختار أحد أمرين أحلاهما مر، كما أخبر الطبيب ابنها: “إما استئصال الورم ومتابعة العلاج بالكيماوي، أو استئصال الورم وأجزاء محيطة فيه، وانتظار فتح المعبر لاستكمال علاجها الكيماوي،  لكن سيكون من مضاعفات هذا الخيار فقدان الحركة بالقسم الأيمن من الجسم وتأثر النظر والسمع أيضاً لكن مع ضمان انتشار المرض لوقت أطول، فكان الخيار الثاني مع أن تكلفة العمل الجراحي تصل إلى 1300$، وهي تنتظر العلاج الكيماوي.

 مع بداية شهر حزيران الماضي وبعد إغلاق دام لحوالي ثلاثة أشهر فتح معبر جلفاكوز التركي المقابل لمعبر باب الهوى في الشمال السوري، فبعد نداءات من جهات طبية وأخرى عاملة بالشأن الإنساني في المناطق المحررة وتركيا، وضغط إعلامي كبير تم فتح المعبر من قبل الأتراك بشكل جزئي أمام مرضى السرطان التي لا تسمح حالتهم بالانتظار أكثر، وقبل أن يقتلهم المرض، إضافة لإدخال خمس حالات باردة معظمهم من الخدج والأطفال الرضع، نظرا لقلة الحواضن في مشافي الشمال، مئات الحالات المرضية القلبية والعصبية وحتى السرطانية تحتاج العبور إلى تركيا لكن لا يتثنى لها ذلك بسبب محدودية الأعداد المسموح بإدخالها مقارنة بأعداد المرضى الكبير، وبسبب الإجراءات التي تستغرق وقتاً طويلاً، فضلا عن بقاء المريض خمسة عشرة يوم في مراكز الحجر الصحي  قبل دخوله المشافي التركية لبدء العلاج، مما تسبب بموت حالات منها قبل  موعد عبورهم.

السيدة لونا والسيدة أم محمود كما غيرهم من المرضى تنتظران دورهما في العبور لتركيا، لكن السيدة لونا تحاول العبور حتى إلى مناطق سيطرة النظام _نظراً لتدهور حالتها الصحية _ حيث يقيم هناك بعض أقاربها الذين بدأوا التواصل مع المهربين والذين بدورهم طلبوا مبلغ 350$ لتهريبها، ورغم موافقتهم على المبلغ تم تأخير موعد العبور، وقبل موعد سفرها بثلاثة أيام ازداد وضعها الصحي سوءاً، ولم تعد تقوى على النهوض، ولم يتمكن أهلها من إسعافها إلى تركيا، ففارقت الحياة قبل أن تعرف من المسؤول عن حرمانها من العلاج، حاول الأطباء في الشمال مساعدتها ضمن إمكانيات المشافي فيه، لكن ذلك لم يكن بالكافي أبداً.

أم محمود وصلت أخيراً إلى تركيا، لكنّ حالتها أصبحت اسعافية، حيث شخص الأطباء انتشار المرض في أجزاء أخرى من جسدها، وهي الآن تنتظر انتهاء أيام الحجر الصحي المفروض عليها قبل دخولها المشفى وتلقي العلاج، فهل ستتمكن من الصمود بانتظار العلاج، ومن سيكون المسؤول إن تطورت حالتها؟  وإلى متى ستسمر الذرائع حجج في عدم السماح لجميع الحالات بالدخول سريعا إلى المشافي؟ 

لا يبدو أنّ هناك حلولاً على المدى المنظور، لكن نداءات المؤسسات الانسانية والتقارير الإعلامية مستمرة عسى أن يكون لها الأثر في تحريك الرأي العام التركي للضغط من أجل تغير الإجراءات والقرارات التي تضر بالمرضى السوريين.

إيمان ديراني