رند الشامي (عيني عينك) – يقتضي الحديث عن اقتصاد دولة ما، الأخذ بعين الاعتبار سياساتها الداخلية و الخارجية، فالعلاقة بين الاقتصاد و السياسة هي علاقة تأثير متبادل بين قوة السوق و قوة الدولة، وتزاوج فيما بينهما لا يمكن فك ارتباطه.

منذ استقلال سوريا في العام 1946 كانت قوة السوق، هي المسيطرة على قوة الدولة في ظل نظام رأسمالي إقطاعي، إلى أن بدأت ملامح هذا النظام في التحول إلى النظام الاشتراكي منذ العام 1958 من خلال تأميم القطاع الخاص والإصلاح الزراعي، وصولاً إلى إنهاء ملكية الإقطاع في العام 1965.

يمكن اعتبار الفترة من العام 1965 وحتى العام 1970 مرحلة التحولات الكبرى في الاقتصاد السوري، إذ جرى في تلك الفترة، إفراغ البلد من كل الشخصيات الوطنية البارزة، وتهيئتها لحكم العسكر، الذين حولوا بدورهم جميع المناصب الحكومية إلى مناصب شكلية لا يؤثر فيها طبيعة الشخص الذي يتولاها، ومستواه الاكاديمي أو ما يحمله من رؤى وأفكار اقتصادية.

وقد أصبح التخطيط الاقتصادي مركزياً، مع تبني التوجه الاشتراكي، الذي يؤمن بسيطرة الدولة على كل وسائل الإنتاج، إذ تحولت جميع المصانع والشركات الحيوية إلى ملكية للدولة، وتم إقفال جميع البنوك الخاصة، وهروب الكثير من رؤوس الأموال خارج سوريا، فخسرت البلد جزءاً مهماً من طاقتها الاقتصادية، والتي كان لها أثر كبير فيما بعد على الاقتصاد السوري، الذي استمر في التراجع، وتأزم عندما دخلت سوريا العام 1980 بالتزامن مع القرار الذي اتخذه حافظ الأسد في الوقوف إلى جانب #إيران والذي أدى إلى توقف المساعدات المالية الخليجية، و بدأت على الفور ملامح الأزمة الاقتصادية تلوح في الأفق، فقام حافظ الأسد بتغيير حكومة محمد علي الحلبي، وتكليف عبد الرؤوف الكسم بتشكيل حكومة جديدة، تكون مهمتها التصدي للمستجدات والتحديات الاقتصادية الطارئة لتقوم هذه الحكومة برفع أسعار كل شيء بنسبة تتراوح بين 100 بالمئة، إلى 400 بالمئة مع زيادة رواتب بنسبة 25 بالمئة للموظفين في الدولة. وتميزت فترة الثمانينات بتدهور الحالة المعيشية و توقف حركة العمل وزاد معدل البطالة مما ساهم في هجرة العمالة السورية للبحث عن تأمين لقمة العيش فقط، إلى دول أحسن حالاً من سوريا كلبنان رغم مخاطر الحرب الأهلية هناك، والأردن وليبيا و انخفض دخل الفرد بشكل كبير، في الوقت الذي احتكر فيه عدداً من رجال الدولة كل من قطاعات الصناعة و التجارة الداخلية و الخارجية وساد الفساد في مؤسسات الدولة. و شكل العام 1990 نقلة كبيرة للأوضاع في سوريا بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي و المعسكر الاشتراكي بالإضافة لغزو العراق للكويت وبداية علاقات جديدة مع دول الخليج وما نتج عنه من انفتاح دولي على سوريا، وإعادة مدها بالمساعدات المالية، وحصلت تغيرات جذرية في المنهج الاقتصادي السوري و اعتمد الاقتصاد على مبدأ التخطيط الشامل، ووضعت الحكومة سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية، على الرغم من أن الاقتصاد كان لا يزال يخضع لقيود كثيرة. وقد شهد الاقتصاد السوري نمواً قوياً طوال التسعينات، وفي عام 2000 تم اطلاق برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي يقسم الى شقين.

الشق الأول هو السياسات المالية والسياسات النقدية  أما الشق الثاني فهو السياسات التجارية و أصبح هناك خصخصة ببعض القطاعات لكن حزب البعث كان يسيطر على شبكة الأمان الاجتماعي و التي كانت تدار بطريقة فاسدة وتبنت الحكومة في العام 2005  نهج اقتصاد السوق الاجتماعي لكن تم تبنيه كإطار نظري ولم يطبق بشكل جيد على أرض الواقع و سحبت الدولة يدها عن التمويل المباشر و اضطرت للقيام بسياسة الانكماش.

يقول الباحث الاقتصادي محمد نبال قلعجي ( ماجستير في التخطيط الاقتصادي) : ” إن الاقتصاد في سوريا يدار من قبل الطبقة السياسية الحاكمة ووفق التوجهات السياسية برغم قوة عوامل الإنتاج في سورية  كتوفر الأرض الخصبة وقدرتها على تحقيق الاكتفاء الذاتي و تحقيق الأمن الغذائي للسوريين بالإضافة لقوة العمل الفتية ووجود الكثير من الكفاءات العلمية. أما رأس المال كان في الفترة الماضية نوعاً ما، جيد لكن أهمية رأس المال ليست كبيرة بوجود العنصرين السابقين و هما الأرض و قوة العمالة بالإضافة لوجود العنصر الرابع و هو التنظيم و الاستحداث و بالتالي يمكن الحصول على رأس المال بسهولة. حققت سوريا معدلات تنمية جيدة و حققت تطوراً في مختلف المجالات وهي قادرة على تحقيق ذلك من جديد”.

أما الآن فالكثير من الاقتصاد السوري يقع تحت الأنقاض وهي ما يمكن تسميتها بالخسائر الفيزيائية  كالمنازل والأبنية الحكومية و المستشفيات المدمرة وغيرها من الأبنية والتي تقدر بـ 100-120 مليار دولار. بالإضافة للخسائر الاقتصادية كحرق المحاصيل أو توقف استثمار مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية و هجرة اليد العاملة بالإضافة لهجرة العقول و خسارة المعامل و المكنات سواءً التي تم تدميرها أو توقفها عن العمل أو انتقالها الى خارج سوريا و تقدر هذه الخسائر بـ 150-200 مليار دولار . إضافة للفرص الضائعة التي تقدر أيضاً بـ 150-200 مليار دولار  ومع اتساع نطاق العنف وفرض عقوبات كقانون قيصر و ما له من تبعات اقتصادية كبيرة و انهيار اقتصاد لبنان الذي أثر سلباً على الاقتصاد في سوريا، وتدمير الأصول والبنية التحتية، وتراجع الناتج الاقتصادي، وفرار المستثمرين من البلاد. و ارتفاع مستوى البطالة بشكل كبير حتى أصبح معظم السوريين يعيشون تحت خط الفقر. ففي ظل هذه الخلفية يظهر اقتصاد الحرب الذي يخلق شبكات اقتصادية جديدة و كبيرة وأنشطة تجارية تغذي العنف والفوضى وانعدام القانون الذي يجتاح البلاد.

مر عقد من الحرب الأهلية الدموية في سوريا التي تقاطعت فيها القوى الدولية والإقليمية لتحقيق مغانم عسكرية أو اقتصادية في المستقبل، ما جعل الملف الحارق الآن يتمحور حول من سيكون الأقرب لإعادة إعمار البلد. وتتسابق القوى الكبرى للحصول على مشاريع في إعادة إعمار سوريا، وخاصة الدول التي دعّمت النظام السوري مثل إيران وروسيا، وذلك قبل الدخول الفعلي في هذه المرحلة التي لربما ستفتح أبواب السوق السياسية في سوريا ويتصدر أمراء الحرب المشهد السياسي و الاقتصادي لسنوات عديدة.

و يضيف قلعجي بشأن نظرته المستقبلية في سوريا والنهج الذي يمكن اتباعه: ” يجب استبدال منهج التخطيط الشامل بمنهج التخطيط الاستراتيجي و لست مع فكرة تبني المنهج الاشتراكي أو الرأسمالي أو اقتصاد السوق الاجتماعي. فالأنظمة الاقتصادية الحديثة هي أنظمة مختلطة تتبع مناهج خاصة باقتصادها فمن الممكن تطبيق قوانين في نفس القطاع تميل نوعاً ما إلى الاشتراكية أو نوعاً ما تميل إلى الرأسمالية وهي أشبه ما يكون بالمزاوجة بين القطاع العام والخاص من أجل تحقيق الهدف “

لقد فرض تفشي فيروس #كورونا في الأشهر الأخيرة على القوى الدولية المتصارعة في أكثر من ملف صمتاً مؤجلاً، فكل التحليلات لمستقبل الاقتصاد في سوريا  ترتكز بشكل أساسي على التوقعات السياسية وما يحاك  من قبل الدول المتحكمة بالمشهد السوري التي تهتم بمصالحها دون وجود أي اعتبار لمصلحة الشعب السوري و حقه في تقرير مصيره.

رند الشامي