أحمد خالد شحادة. م: عنب بلدي

إيمان داراني (عيني عينك) – لعب الإعلام الثوري دوراً فعالاً في الثورة السورية منذ انطلاقها، ضد السياسات الإعلامية التي اتبعها النظام للتعتيم على الثورة أو التحريض عليها عبر فبركة مقاطع الفيديو فيما عٌرف بين صفوف المحتجين بالتشبيح الإعلامي.

انضمت مدينة #داريا إحدى مدن #غوطة_دمشق وعاصمتها الغربية إلى الثورة مبكراً، واتسمت مشاركاتها الأولى بالسلمية، وبمظاهرات الورود وقوارير المياه التي قدمها ثوارها لعناصر الجيش دلالة على سلميتهم،  لكن سلميتهم قوبلت بالرصاص والقتل، واعتُقل الكثير من شبابها الذين قُتلوا لاحقاً تحت التعذيب في المعتقلات، ثم تعرضت  المدينة لواحدة من أكبر المجازر خلال الثورة السورية، وبعدها بشهرين  أحاط جيش النظام بالمدينة إحاطة السوار بالمعصم، ليمارس عليها أشد حصار لمدة أربعة أعوام، وكان على شبابها دور كبير في حمل سلاح استراتيجي غير البندقية  في مواجهة  سلاح  التجويع والقصف والتهجير، لإيصال صورة ما يحدث فصوروا بدايةً بهواتفهم قبل أن يمتلكوا كاميرات حديثة، وقد قتل الكثير منهم اثناء توثيق الانتهاكات.

السيدة “رقية” من مدينة داريا، تتحدث عن أخيها البالغ من العمر15 عام، حيث قتل أثناء تأديته الواجب الإنساني في انتشاله لجرحى وقتلى أصيبوا بقذيفة ألقيت عليهم من جبال الفرقة الرابعة: “عمل أخي عبد الرحمن كمسعف في المشفى الميداني، ومصور بجواله، حيث برع في ذلك بسبب صغر حجمه، فاستطاع التنقل بين حواجز الجيش وتوثيق الانتهاكات خاصة في ايام مجزرة داريا، لقد صُدمت حين سمعت صوته على قناة الجزيرة في فيديو يوثق قصف الطائرات الحربية للمدينة”.

لم يختلف حال الإعلاميين في المدينة عمن يقف على الثغور من حيث الخطر على أرواحهم، فتكاد لاتخلو جبهة من إعلامي، ويكاد لا يخلو سطح أيضا ممن نذر نفسه لاظهار الحقيقة.

” كنت ألتقي به في مصعد المبنى لكن على عكس اتجاهي، فأنا أسرع مع  أولاد نزولاً وهو يهرع مع كاميرته صعوداً، وجعجعة الطائرة قد اقترب من رؤوسنا، وظننا أن لا مناص من الموت في تلك اللحظة، كان يوثق بكمرته سقوط البراميل”. 

إنه الاعلامي”أبو راشد الإمام” كما تحدثت عنه السيدة “أم محمد”من مهجري داريا. لم يكن الإعلاميون يملكون دروعاً تقيهم الرصاص فالمدينة محاصرة، ولو وجدت الدروع فلا فائدة منها حيث البراميل والصواريخ والدبابات لا واقي منها.

كان جلّ من عمل بالتوثيق والبث عبر القنوات ممن لم يدرسوا تخصص الإعلام والصحافة، لقد وجدوا أنفسهم مضطرين لهذا العمل، فأنفقوا الجهد والوقت في سبيل بلوغ الحقيقة لكل حر يريد معرفتها، ولم يبلّغوها من أجل اعتياش بل من أجل قضيتهم العادلة، لم يدرس أبو راشد الاعلام، لكنه وصل بخبراته درجات متقدمة فيه وتعلم فن التصوير.

الصحفي “أحمد خالد شحادة “ولد لأبوين مثقفين فنشأ في بيئة محبة للعلم والتعلم،  كان الشاب_ الذي يدرس الماجستير في مجال الاقتصاد – مسؤولاً عن البرامج في بعثة الاتحاد الأوروبي بسوريا، بدأ عمله الثوري مبكراً، وبدأت قوات الأمن ملاحقته، حتى اعتقل في 2011 لأكثر من ثلاثة أشهر، حيث أفرج عنه وقدمه مكسورة جراء التعذيب، بعد أن طالب به الاتحاد الأوروبي بصفته أحد موظفي برامجه في سوريا، لم يثنه ما عاناه في المعتقل عن تبني الثورة، بل زاده إصراراً على ذلك، فعندما حوصرت مدينته اختار البقاء فيها، ويذكر أن أحمد كان مثالاً للنشاط والتضحية فعمل بالشأن الإنساني، فكان يحمل أكياس الطحين على ظهره لتأمين الخبز للمحاصرين حتى يتحول مع ملابسه للون الأبيض من آثار الطحين، وكان معروفاً بشجاعته وتفانيه في عمله” كما حدثنا السيد “أحمد ” الرئيس السابق للمجلس المحلي أثناء حصار المدينة.

امتاز”أحمد” بفكر نير وقدرة أدبية عالية، وبُعد نظر سياسي واقتصادي قل له مثيل في الشباب بداية الثورة، وانتخب عضو مجلس إدارة لجريدة عنب بلدي ومدير تحريرها، فتخصص بإدارة الصفحة الاقتصادية فيها (سوق هال)، وأشرف على كتابة الافتتاحية الأسبوعية، وأشرف على التدقيق اللغوي أيضا، وقد كان لانضمامه لفريق العمل أثر واضح في رفع سوية المحتوى الصحفي للجريدة، كما كتبت عنه جريدة “عنب بلدي”.

استشهد أحمد شحادة في أذار 2013 ونعته مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الأوروبي “كاثرين آشتون” وأعربت عن حزنها لمقتله، وقدمت التعازي لعائلته وأصدقائه.

من الإعلاميين الآخرين الذين تركوا بصمة في الثورة السورية شاهر معضماني من مواليد 1987 الذي تخرج من المعهد التجاري المصرفي في العام 2009. خرج معضماني في بداية المظاهرات، وساهم في جميع أشكال الحراك الذي شهدته مدينة #داريا وقد أبدع  في تخطيط اللافتات الخاصة بالمظاهرات، يحدثنا عنه رفيقه في العمل الأستاذ “إبراهيم خولاني”: “كان عمله في الإعلام بداية  في تصوير المظاهرات، ورفع المقاطع على الانترنت، كما أدار صفحة تنسيقية داريا، وبعد حصار المدينة  كان من أوائل من خرج للتصوير العسكري، بالإضافة إلى تصوير غارات الطيران الحربي والدمار الناجم عنها، وإنتاج تلك المقاطع، وانتخب شاهر مديرًا للمكتب الاعلامي في المجلس المحلي لمدينة داريا لثلاث دورات متتالية، حتى استشهد في كانون الثاني 2013 وهو على رأس عمله”.

عُرف شاهر بين أقرانه بطيبة قلبه، وبإيمانه بالثورة واصراره على مواصلة الكفاح من أجل الحرية حتى بعد مقتل أخيه “عمران” بقذائف النظام السوري.

يحدثنا الأستاذ إبراهيم خولاني عن رموز إعلامية أخرى قضوا بقصف النظام على المدينة : “زيد شرارة ” كان يعمل مع (تنسيقية داريا- الشعب يريد إسقاط النظام) اعتقل في تموز 2011 من قبل المخابرات الجوية بعد مداهمة مكان عمله في المدينة، وخرج بعد ثلاثة أشهر ليعود إلى عمله وبأشد مايكون الإصرار بعد ما لاقاه من  أنواع التعذيب في المعتقل. كان شاهداً على مجزرة داريا، فقد ساعد بدفن شهداء المجزرة وتوثيق أسمائهم وأعدادهم”.

اختار شرارة البقاء في داريا بعيداً عن والدته التي ربته يتيماً، وانضم إلى المجلس المحلي للمدينة، ليستشهد بقصف من قوات النظام في كانون الثاني 2013 دون أن يتمكن أهله من وداعه كما حدثتنا أخته  السيدة “مها”.

من أصغر من عمل في هذا المجال  بداية الثورة “مجد معضماني” من مواليد 1995، كان يدرس هندسة الحاسوب في جامعة دمشق، شارك في المظاهرات السلمية في مدينته، وقام بتغطيتها، عمل في (تنسيقية داريا- الشعب يريد إسقاط النظام)، ثم انضم إلى المكتب الإعلامي للمجلس المحلي  عام 2013، ثم ترك المكتب الإعلامي، وشارك في تأسيس ما يسمى (المركز الإعلامي)، كان مراسل ل”وكالة الأناضول” باسم “مجد ديراني”، عمل بالرسم على الجدران والأسقف المقصوفة مع صديقه أبو مالك الشامي، وقد اشتهرت رسوماتهما برموزها التعبيرية، فكان يعتمد عليها في إيصال رسائل المظلومين بالإضافة للصور والفيديوهات التي يصورها، عرفته جبهات داريا مصورا شجاعاً مقداماً حتى استشهد على إحداها عام 2016وهو يوثق القاء النظام للبراميل المتفجرة.

ويحدثنا الشاب “مجاهد خولاني” عن صديق طفولته “حسان المصري” الملقب “أبو مسلم “من مواليد عام 1992: “أبو مسلم شاب طيب الخلق منذ صغره، ومن طلاب العلم وحفظة القرآن الكريم، عملنا معا منذ اندلاع الثورة وفي كل مراحلها، شارك في تأسيس مشروع “فجر الأمة ” الذي تحول فيما بعد ل”أكاديمية فجر لإعداد القادة”.

تنقّل المصري بين درعا وخان الشيح بصفته ناشطاً إعلامياً، ثم استقر به المقام في مدينته داريا، حيث عمل ضمن القسم الإعلامي الخاص بلواء شهداء الاسلام حتى استشهاده يوم الثلاثاء 7 حزيران 2016، خلال تغطيته معارك ‏الجبهة الجنوبية في المدينة.

يقول “مجاهد”: “كان حسان متفائلاً بالنصر، وكثيراً ما كان يدعو رفاقه للصمود، حتى أن وصيته المكتوبة قد ضمنها ذلك”.

استمر عمل أكثر الإعلاميين الناجين بعد التهجير، حيث اتجه الكثير منهم لدراسة الإعلام بشكل أكاديمي ومهني، عبر دورات تدريبية أقامتها منظمات تهتم بمجال الإعلام، أو وكالات إعلامية، وطوروا أساليبهم الصحفية ومنهم من طور حرفية العمل على برامج المونتاج المختلفة مثل الـ”برمير وأفتر أفكت وسوني فيكس وأدوشن” وغيرها، لئلا تقتصر كما في السابق على التصوير من أجل التوثيق فقط، ليسيروا في طريق أكثر احترافية، بعد أن خاضوا واحدة من أصعب المواجهات الدامية مع النظام ومنظومته الإعلامية والعسكرية القاتلة لينقلوا صورة ما يحدث على الأرض.