صورة تعبيرية _ المصدر: إندبندنت عربية

سيرين مصطفى (عيني عينك) – “عندما أعطانا صاحب الورشة الزراعية أجورِ عملنا، أنقص من الحساب أجرة أربعة أيام، فاستغربت لأني لم أتغيب عن العمل إطلاقاً، وبذلت أقصى جهدي، مما دفعني لمراجعته ظناً مني أنه أخطأ بالحساب، لكنه أخبرني أنه فعل ذلك مع كل العاملين وأن هذا الموجود وأنه لن يعطيني حقي، إن رضيت فعلي الصمت أو أترك العمل ضمن الورشة، فخرجت من عنده وأنا أبكي من حرقة قلبي، فمن دون الخصم الذي قام به، كانت أجرتي قليلة، فكيف بعده! وشتمت في سري الظروف التي أجبرتني أن أصمت في وجه من استغلني، أجبرتني على العمل معه”. قالت ألماس الحلاق لـ(عيني عينك) وهي تحكي عن الاستغلال الذي تتعرض خلال العمل.

تضاعف حجم المسؤولية على عواتق النساء في المخيمات شمال #إدلب إثر النزوح من مناطقهن خلال القصف والمعارك. حيث بدأت موجات النزوح بالتدفق من أواخر نيسان /أبريل العام الفائت، وهي مستمرة إلى الآن على مراحل. لتدفع الظروف القاسية تلك النساء إلى القبول بامتهان أعمال شاقة ذات ساعات طويلة وأجور قليلة، مع الصمت على الاستغلال الذي يتعرضن له من قبل صاحب العمل والناس الذين يختلطن بهم أثناءه. وتمثلت تلك الظروف بالحاجة للمال وغلاء الأسعار وصعوبة الأحوال المادية، مع ارتفاع أسعار جميع المواد المطلوبة نتيجة انهيار الليرة السورية بأرقام كبيرة أمام الدولار الأمريكي.

بالرغم من تقديم مساعدات من قبل المنظمات الإنسانية للنازحين، والتي تنوعت ما بين مواد غذائية ومنظفات ومياه وخيم وأماكن مجانية للسكن بجانب كروت ألبسة ومبالغ مالية، تم توزيعها بشكل مختلف في المناطق التي قصدها النازحين. لكنها لم تشمل كل المخيمات ولا كل من غادروا منازلهم بعد التصعيد العسكري. فالبعض حصل عليها بشكل دوري، وآخرون بشكل متقطع، أما غيرهم فلم يرها إطلاقا.

“غير كافية” تلك المساعدات بحسب بعض النساء اللواتي اضطررن للعمل بأعمال قليلة المردود. تقول أم عبد الله لعيني عينك: “ليس هناك ما يسد حاجتنا، لذلك نضطر للعمل، فالمساعدات غير دائمة، والعائلة بحاجة لطبابة وتدفئة وتغذية وبنزين للتنقل وغيرها من الاحتياجات التي لا تقدمها المنظمات بشكل دائم”.

فرص العمل المتاحة وأنواع الاستغلال المرافقة

بحسب النساء اللواتي التقت بهن عيني عينك، فالاستغلال الذي تعرضن له، هو زيادة ساعات العمل، أحياناً ما تكون فوق طاقتهن و بلا أجر إضافي، مع خصم أجور لبعض الأيام دون سبب، كذلك إعطاء العاملات مقابلاً زهيداً لقاء عملهن، بالكاد يكفي ثمن قوت اليوم. ناهيك عن المعاملة غير اللائقة من قبل رب العمل. إضافة إلى ذلك عدم السماح لهن بأخذ استراحة ولو لدقائق قليلة وتهديدهن بالطرد والخصم من الأجرة لو استرح او احتججن. وذلك ينطبق على من عملن ضمن الورشات الزراعية، والورشة هي عبارة عن مجموعة من الأشخاص يقودهم رجل يملك سيارة، ذلك الرجل يتفق مع صاحب أرض معينة على أن يزرعها أو يحصدها وما إلى ذلك من الأشكال الزراعية، مقابل مبلغ من المال يتوزع كأجور للعمال و أجرة للسيارة و أجرة صاحبها، وتتراوح ساعات العمل من( 6 إلى 8 ) ساعات أما أجرة المرأة العاملة في الأرض ما بين (1000 إلى 1500) ل.س أي أقل من واحد دولار أمريكي.

تروي أم علي (نازحة وأم لثمانية أطفال) :”يومية من تعمل بالأرض بالكاد تجلب لها ربطة خبز وبعض الخضرة، لكن أنا أخذ معي 4 من بناتي ونتشارك بمصروف البيت، كم أشعر بتأنيب الضمير عندما أخذ أجرة بناتي ولا أعطيهن منها شيء إطلاقا، لكن لا خيار أمامي لتدبير أمور البيت”.

وتضيف لمياء الشيخ :”كنت أقطف الزيتون من على غصن أعلى الشجرة،  فانزلقت ساقي و وقعت على الأرض، وانكسرت يدي. احتجت شهراً كاملا حتى شفيت. خلال تلك الفترة لم يكترث صاحب الورشة ولا صاحب الأرض لي ولم يساعداني على الإطلاق من الناحية المادية”.

يضاف للعمل في الورشات الزراعية، العمل في بيع المكياج والاكسسوارات من خلال التجوال في المخيمات وبين البيوت، وذلك إما بأخذ بضاعة من صاحب محل والاتفاق على بيعها مقابل أجر معين وأخذ نسبة منه، أو شراء بضاعة بالجملة ومن ثم بيعها بالمفرق، بحيث ترفع المرأة المتجولة سعر كل قطعة وتربح منها. في هذه الحالة كان بعض أصحاب المحلات يعطون البائعات المتجولات نسبة ربح قليلة مقابل بيعهن البضاعة.

وعملت النازحات بجمع قطع الحديد والنايلون من الشوارع والنفايات وأمام المحلات وبيعها للباعة الذين يجوبون المناطق ويشترون تلك القطع أو للدكاكين المهتمة بشرائها، لكن بأثمان بخسة. كذلك سنحت فرص للنساء للعمل في مصانع المخلل مقابل 1500 ليرة من الساعة 9 صباحا وحتى غروب الشمس.

النازحات يروين قصصهن

تروي آلاء سوادي: ” نزحت العام الماضي في أول شهر أيار من مدايا في ريف إدلب الجنوبي إلى مخيمات الشمال، مكثت مع زوجي عند أقربائنا في مشهد روحين، ريثما بنينا في مخيم قريب غرفة صغيرة مع مطبخ تم سقفهم بعازل من نايلون. كلفتني آنذاك حوالي 500 ألف ل.س اقترضناها من أخي. ثم جلسنا فيها، وسجلنا اسمنا عند إدارة المخيم، فصارت تأتينا معونة شهرية، تحتوي بعض المواد الغذائية من أرز وسكر وغيره، إلا أنها لا تكفي خاصة أنني أنا المعيلة الوحيدة لعائلتي المكونة من زوجي المصاب، بسبب دخول رصاص في قدمه اليسرى قبل ثلاث أعوام، وأطفالي الأربعة. مما اضطرني للخروج للعمل مع ورشة زراعية بالرغم من أن المسؤول عن الورشة كثير الصراخ، ويتعامل معنا بطبع حاد”. 

تضيف كنانة العابد: “أنا نازحة و لأن أبي مريض بالربو، ولا يتحمل الجلوس في أماكن ضيقة أو رطبة، لم أستطع المكوث في المخيمات. مما فرض علينا الكثير من المتطلبات منها أجار المنزل والماء والطعام والشراب والطبابة عند الحاجة وغيرها، علاوة على ذلك فرصتنا كمستأجرين ضعيفة بالحصول على إغاثة، فكانت الورشة وسيلة بسيطة لسد نفقات البيت، ومعها جمع قطع الحديد والنايلون ثم بيعهم، لكن الشخص الذي كنت أبيعه كان يعطيني سعراً بخساً جداً، وفي المقابل هو يربح أكثر من الضعف. ذات مرة اعترضت على السعر فقال لي :”قومي ببيعهم في مكان آخر، في حين أنه المشتري الوحيد في حارتنا، أما الأخرون فبعيدون جدا”.

وتسبب تلك الأعمال التعب الجسدي للمرأة، وذلك ما أشارت إليه بعض أولئك النسوة، حيث أنهن تعرضن لألام في الظهر والقدمين نتيجة طول ساعات الحركة أثناء العمل، وبجانب ذلك الإصابة بمشاكل تنفسية بسبب استنشاق غبار، مع التعرض للحساسية في الجسم والحكة، عدا عن الآثار النفسية السلبية بسبب نظرة بعض الناس ونقدهم، كما تعرضن للمضايقات خلال العمل. وأدى غيابهن عن العائلة لساعات طويلة إلى خلق مشاكل في البيت.

تحكي نوال الندى: “أعيش في المخيمات مع والداي المسنين والمريضين، ولا معيل لهما سواي، لذلك فأنا مضطرة لأن أقبل بأي فرصة عمل، مثال على الأعمال التي كنت أحافظ عليها، أن أستيقظ كل يوم في الفجر قبل أن يجتمع الناس في الشوارع، كي أبحث في نفايات القمامة عن أدوات يمكن بيعها. كنت أختار ذلك الوقت ليس خجلا من عملي وإنما تجنباً لنظرات الشفقة أو الازدراء، أحيانا أجمع ب 1500 ليرة و أحيانا ب 2000 ليرة سوري، وذلك حسب المنطقة التي أقصدها وإذا كان فيها من يجمع أدوات مثلي أو لا”.

تسرد غزالة العبدو: “خلال النزوح اقترضت 85 ألف ل.س، لاشتري بضاعة مساحيق تجميل. فصرت أتجول في المناطق التي تقطن فيها نساء بكثرة، ولا يوجد محلات مكياج بالقرب منهن. ثم تمكنت من جني المبلغ الذي اقترضته مع 50 ألف إضافية. إلا أن بيع البضاعة استغرق شهرا كاملاً، لم أخذ فيه قسط راحة سوى يوم الجمعة، كما كان العمل متعباً للغاية، لأني أمشي لساعات طويلة، و أتجادل مع النساء بسبب الأسعار، ناهيك عن المواقف الجارحة التي أتعرض لها، خاصة أن بعض الأشخاص يظنون أني متسولة، وطاردين يافعون غرباء  من مكان لمكان ورجمونني بالحصى، وبعد انتهاء النهار أعود إلى المنزل متورمة القدمين بسبب كثرة المشي”.

وترى مرام الأحمد (ناشطة اجتماعية ومهتمة بالمشاريع التي تخص المرأة): “السبب الرئيسي لتعرض العاملات لذلك الاستغلال، هو أن أرباب العمل يستغلون أنهن إناث يعشن في مجتمع شرقي تسوده الذكورية، تضطر الواحدة فيهن لأن تسكت عن حقها من باب الخوف والخجل، أما الرجل ربما يشاجر صاحب العمل ويدخل معه في جدال ليستعيد حقه، كذلك ندرة فرص العمل لها دور أيضا، خصوصا أن منهن من لا تحمل شهادة تعليمية تؤهلهن للعمل مع المنظمات أو تتيح لهن فرص أفضل، ناهيك عن أنه بالرغم من وجود مشاريع كثيرة في الشمال السوري هدفها تمكين النساء ودعمهن مادياً ومعنوياً، إلا أن النساء لا تعلم بتلك المشاريع مما يعيق وصولهن إليها ويحرمهن من الإستفادة منها”.