صورة تعبيرية من الأرشيف

إيمان ديراني (عيني عينك) – يُعرّف القانون الدولي الإنساني التهجير القسري بأنه: “إخلاء غير قانوني لمجموعة من الأفراد والسكان من الأرض التي يقيمون عليها” بمناسبة يوم اللاجئين العالمي الذي يوافق 20 من حزيران، تتحدث السيدة ” سمية خولاني” من #داريا في #ريف_دمشق عن أيام الحصار، التي انتهت بالتهجير.

“كان أطفال المدرسة يلتفون حولي وكأني الجبل الأشم، عندها أتمثل هيئة الجبل واُظهر الجسارة، وألهج بالدعاء خُفية ودون الجهر من القول خشية ظهور الحقيقة أمام من احتمى بي، لكنني كنت أسمع صوت انشقاق قلبي شفعين وهو ينادي “رباه أنقذهم واحمهم ولا تخزي من تدرؤا به، كانت هذه المشاهد تحدث يوميا طيلة أربع سنوات من الحصار” تبدأ سمية سرد قصتها.

“أنا واحدة ممن عانوا ويلات الحرب والحصار في مدينة داريا من غوطة دمشق،  كانت  المدينة من أوائل المدن  التي انتفضت في وجه الظلم، مشاهد الدم والأشلاء وأخبار القتلى لم تكن لتغيب لساعات عنا، ألفنا رائحة الموت حتى  بات عبق الربيع غريباً عنا،  اعتدنا على وجود صنف طعام واحد  وهو “الشوربة” المؤلف من ماء والقليل من الحبوب، وفي أفضل الأحوال يشارك طبقنا الوحيد طبق السلطة المكون من خشاش الأرض، لم نكن نمل هذا الخيار لعدم وجود البديل،  لا أنسى الطفل “محمد “البالغ من العمر ست سنوات، عندما  وجد في زاوية المسجد _الذي كنا نُدرّس في قبوه_ قطعة خبز عفنة قد عافتها القوارض، كان ذلك بعد أن مضى على حصارنا قرابة العام، يجتمع حوله  رفاقه كلٌ يريد مشاركته، فيقف محمد وسطهم ويرفع صوته :”كلكن لح طعميكم” أسرعت لأرى ما معه ، لم تكن القطعة تتجاوز الكف، وبدأ الصغير يكسر منها ويضع في أيديهم أو أفواههم في صورة أشبه بمشهدٍ لطائر يطعم صغاره، ثم وضع القطعة الأخيرة في فمه ، سألتهم هل هي لذيذة؟! فكان الجواب “لم نتمكن من تذوقها”.

 أتحدث عن فترة كانت التمرة فيها مغنماً كبيرا، وقطعة التمر هندي من ألذ ما لدينا، كان الأطفال يأكلونه بدل صنع الشراب منه. أربع سنوات كان الترحال فيها هو العنوان، من بيت إلى بيت،  ومن حي إلى حيّ، فلم نكن نستقر في ببت حتى  تُستهدف المنطقة  بالقصف، ونضطر للفرار منها، أربع سنوات ومدرستنا التي أنشأتها بمساعدة زميلاتٍ لي لا ترى نور الشمس، ولا تشم إلا رائحة العفن في قبوٍ قد مُترس بتلال من التراب ليمتص صدمة البراميل المتفجرة، ويخفف أضراره على القبو، ومع ذلك كان المتنفس الوحيد لأطفالنا،  ليلهو مع أقرانهم، ويمارسوا مع كادر المدرسة حياتهم الاجتماعية  التي مزقتها الحرب، ويمضوا فيه وقتاً ممتعاً رغم سماعهم المتواصل لزئير البراميل وانفجارها.

أربع سنوات كان لباسنا مما استطعنا أنقاذه من تحت انقاض البيوت، حتى قرطاسية الدراسة لم تسلم من الشظايا  والتمزيق، فنسحب أقلها ضرراً من تحت الدمار، أما المدارس فقد استهدفها القصف، لأنها كانت مأوى لكثير من الناس ظناً منهم انها لن تُستهدف كونها مركزاً مدنياً. أربع سنوات ونحن نزرع حتى في شرفات المنازل من أجل أن نعيش، والنظام السوري يستهدف كل ما هو أخضر ليحرمنا حقنا في الحياة.

أربع سنوات ونحن نمشي في طرقات المدينة لحاجاتنا الضرورية على خوف، ونتراكض تحت قصف آلات الحرب المفاجئ في ذعر ونختبئ تحت سقف هابط  لا يقينا شرها لكنها “حلاوة الروح”  كما يقال، ثم ننتبه بعد نجاتنا أن ذلك السقف هو من كان سيطبق علينا منذ لحظات، أربع سنوات اقتصر فيها علاجنا على بعض الأعشاب لنوفر الدواء للحالات الصعبة.

أربع سنوات وأطفالنا يُسرق رفاقهم من بين أيديهم، ولربما رأوا اشلاءهم المتناثرة على بقايا دفاترهم، أربع سنوات والنقطة الطبية الوحيدة تعاني من شح الدواء وشح الاختصاصات اللازمة مما ادى لموت الكثير بسبب ذلك، ولم يكف النظام ذلك بل جعلها هدف نيرانه الأَولى”.

قام الروس بدور رئيسي في مساعدة النظام على ارتكاب تلك الجرائم بحق الملايين من السوريين، بعد تدخله العسكري المباشر في عام 2015 حيث بدأت المعركة تُحسم لصالح النظام، وفي داريا بدأ بقضم المناطق الزراعية لحرمان المحاصرين مما يسد رمقهم مما زرعوه تحت الخطر، واستطاع أيضا محاصرة المدينة من الجهة الشمالية المفتوحة على مدينة “معضمية الشام” التي وقّعت مع النظام  معاهدة تسوية، فغدت داريا مطوقة بالكامل وفقدت أهم مقومات الصمود (الغذاء والذخيرة)، ومع نهاية العام الرابع كان التهجير.

تكمل السيدة “سمية” شهادتها : “لم يكن قرارنا بل كان قرار الدماء والجوع والخوف والدمار، فقد تم تدمير كل أشكال المدنيّة في المدينة، ولم يبق أمامنا الا خياريان بعد نفاذ ذخيرة الجيش الحر المرابط حول ما تبقى من المدينة، خيار البقاء وهذا يعني دخول الجيش وارتكابه المجازر والاعتداء على الأعرض، كما فعل قبل أربعة أعوام في واحدة من كبرى مجازر سوريا وهي “مجزرة داريا الكبرى” التي  لا تزال رائحتها بين أزقة المدينة وفي أقبيتها، أما الخيار الآخر فهو اخلاء المدينة والخروج القسري، فكان الخيار الثاني الذي نتجرع مضاضته منذ 27/8/2016 ، أي ما يقارب عمر حصارنا.

خرجنا من ديارنا مجبرين لنلقى آلاماً من نوع جديد كنا نسمع عنها و نستهين بها في انفسنا، ظناً منا أن ما بنا هو الأعظم والأشد، كانت جارتي “أم فراس” البالغة من العمر 60 سنة تقول:”الله يجيرنا من شي أعظم” وتدعو الله ان لا نضطر للخروج، كنت أقول في نفسي لعلها لاقت مالم يلقه غيرها عند خروجها من المدينة بداية الحصار مما اضطرها للعودة إليها رغم ما فيها من الفظائع كما كنا نظن.

اليوم أرسل لصديقتي ام فراس التي اختارت بعد التهجير اللجوء إلى تركيا بسبب مرض زوجها، أقول لها الآن قد فهمت. وتمنيت لو أجارنا الله من الأعظم، ومن خرج من داره قل مقداره” كما كانت تقول. لا يعرف ذل اللجوء والنزوح وألمه إلا من ذاقه.

لقد امضينا أربع سنوات من “العز” ونحن تحت وابل من النار في مدينتنا، أصبحنا نذكر أيامها ونقول:” سقى الله تلك الأيام يا ليتها لم تنته”. خرجنا من مدينتنا تحت رعاية أممية، وكان الأجدر بتلك الأمم أن تحمينا في بلادنا لا أن تحمينا أثناء تهجيرنا، فما وجدت الأمم المتحدة من أجل التهجير القسري المحرم دولياً، ولا لحماية طريق النهجير للشمال بل لحماية البشر من جرائم الحرب، والتهجير القسري واحد منها”.

عملية التهجير هذه تندرج ضمن جرائم الحرب التي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية وفق ما ورد في نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فوفقاً للمادة (7/د)؛ فإن إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو ممنهج موجه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين يشكل جريمة ضد الإنسانية. كما تحظر المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 النقل القسري الجماعي والفردي للأشخاص أو نفيهم من مناطق سكناهم إلى أرض أخرى.

تطالب السيدة سمية – كما غيرها من المبعدين قسراً عن مدنهم – بمحاكمة النظام السوري وروسيا وإيران على جرائم الحرب التي ارتكبوها ومنها التهجير القسري، تتفاءل قليلا بقانون قيصر، وتأمل بعودة قريبة لمدينتها، تقول وسيل دموعها على وجنتيها: ” أود زيارة قبر أخي الطفل الذي قتلته قذائف النظام، وحرمني من زيارته بالتهجير، أريد أن أجتمع مع عائلتي أبي وأمي وإخوتي الذين حُرمت منهم منذ سنوات، أريد أن أعود لمزرعتنا ومدرستنا ولمنزلنا وأسقي ياسمينته، وأتنسم عطرها وأنثر زهرها فوق قبور أحبتي”.

تخضع اليوم السيدة سمية لبرنامج تدريباتٍ مكثفة يديرها البرنامج السوري للتطوير القانوني (SLDP) في مجال بناء القدرات في القانون الدولي، وتدرس فيه الإطار القانوني الدولي للتهجير القسري في سوريا، لكي تكون مع الكوادر القانونية التي تعمل على محاسبة كل الأطراف التي تسببت بجريمة التهجير، وتشارك في تمثيل النساء المهجرات في المحافل الدولية، ومطالبة المجتمع الدولي والجهات المعنية بتأمين العودة الطوعية الآمنة للاجئين.