ياسمين عتيق (عيني عينك) – لا تزال بعض المجتمعات تعتبر ظاهرة زواج الأقارب أمراً مألوفاً ومنها المجتمع السوري، لما يراه مؤيدو هذا النوع من الزيجات من محاسن تشمل تمتين الروابط الأسرية ولرغبة العائلات في الحفاظ على الميراث ضمن نطاق العائلة الواحدة، كما يربطه البعض بمفاهيم “العرض والشرف” معتبرين أن الأقارب أحرص على سمعة العائلة من الغرباء. الكثير من الأمثال الشعبية قيلت في هذا الخصوص كـ ( الغريب ديب) أي الغريب هو كالذئب الذي قد يرمي زوجته في أي وقت و لن يهمه شرفها بعكس أبناء العمومة. لا تختلف هذه النظرة كثيراً عن بعض المجتمعات التي تنظر الى هذا الزواج من ناحية عنصرية بهدف الحفاظ على السلالة الصافية أو العرق كما تدعي.

و تفند لنا ( م ش ) سيدة من مدينة كفرنبل  بعض هذه الأفكار قائلة: ” تزوجت من ابن خالتي منذ العام 2009 ورزقت منه بطفلة تعاني من ضعف في البصر قبل أن يقتل زوجي في تفجير بمنطقة القزاز في دمشق و بقيت أربع سنوات أرملة الى أن تقدم شاب لخطبتي ثم تزوجت منه لاحقاً . الأمر الذي سبب انقطاعاً في العلاقات بين عائلتي وعائلة خالتي نهائياً بل سبب  كرهاً شديداً بين العائلتين الى حد لا يطاق و مازال هذا الكره و العداء حتى الآن”.

و تستطرد (م  ش ) في حديثها لتنصح الآخرين كي لا يقعوا في التجربة ذاتها فتقول : “لا أنصح بزواج الأقارب على الإطلاق. ليس بسبب زيادة احتمال إصابة الأبناء بأمراضٍ وراثية فحسب  كما حصل مع  طفلتي بل لأن هذا الزواج وإن عزز العلاقة بين الأقارب بشكل مؤقت لكنه سيسبب خلافات عميقة بين الأقارب ذاتهم بمجرد حصول خلاف بين الزوجين أو فراقهما لسبب ما”.

لم يحرم الإسلام زواج الأقارب في الإسلام كما يقول لنا الشيخ عبدالله الكامل إمام وخطيب المسجد الكبير في بلدة #حاس : “لا تفضيل لزواج الأقارب على زواج الأباعد، ولا لزواج الأباعد على زواج الأقارب  لكن جاء في بعض الأحاديث الحث على تغريب النكاح، إلا أن هذه الأحاديث لم يثبت منها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم . مثل حديث : ( لا تنكحوا القرابة القريبة ، فإن الولد يخلق ضاوياً ). وأيضاً ابن عمر أمر بالإغراب أي بمعنى يتزوج من البعيد.  و لا شك أن الأصل هو الجواز، وأما إذا كانت هناك قضية خاص ، أي إن كان هناك فعلاً مرض معين أو حالة معينة يُخشى منها و ثبت شيء من ذلك بالتحاليل الطبية أو الكشوفات، أو بمعرفة الجينات الوراثية وطبيعة المرض ونحو ذلك، وأوصى الأطباء بالمنع من الزواج من القريبة في صورة مخصوصة، وليست قاعدة عامة . فلا حرج في ترك نكاح هذه المرأة القريبة بعينها” .

 وقد كانت نسبة انتشار زواج الأقارب في بعض المجتمعات الإسلامية  تتراوح بين  50% إلى 70% كما يقول مختار  القطاع الثاني في مدينة الباب عبدالله  صالح خليفة : “كانت نسبة الأقارب المتزوجين في مدينة الباب تتراوح من خمس إلى سبع زيجات من أصل عشرة زيجات  تم توثيقها لدينا . لكن هذه النسبة انخفضت بشكل كبير في السنوات العشر الأخيرة تدريجياً حتى وصلت إلى ثلاث زيجات بين الأقارب من أصل العشرة زيجات وبشكل خاص تكون نسبة زواج الأقارب منخفضة جداً لدى النازحين هنا في مدينة الباب فكثيراً ما يكون الزوج من محافظة سورية و الزوجة من محافظة سورية أخرى”.

و يعتبر المختار عبدالله خليفة أن سبب الانخفاض في نسبة زواج الأقارب خلال السنوات الماضية يعود لظروف الحرب التي يمر بها المجتمع فيقول : “إن تجمع النازحين من مختلف المحافظات السورية قد ساهم في تقوية العلاقات الاجتماعية بين أهلنا النازحين فيما بينهم من جهة وفيما بينهم وبين أهالي البلدات من جهة أخرى مما ساعد على قيام علاقات زوجية بعيدة عن دائرة الأقارب . كما سبب شيء من تلاشي بعض العادات و التقاليد التي كانت تشجع على زواج الأقارب  كعادة  تسمى هنا ( التجيير) حيث كان ابن العم الشاب ينتظر ابنة عمه لتصل سن البلوغ ويتزوجها . وأيضاً عادة  أخرى تسمى ( الربط ) حيث يقوم الأهل بالتوافق على زواج ابنة العم من ابن عمها  منذ طفولتهما ويتم الزواج عند بلوغهما .  فلم تعد هذه العادات منتشرة إلا بشكل طفرات نادرة نتيجة الاحتكاك مع مجموعات مختلفة من المجتمع السوري”.

كما أن للتوعية الصحية دوراً هاماً في انخفاض نسبة زواج الأقارب في الشمال السوري من خلال الحملات التي قامت بها وزارة الصحة في الحكومة السورية المؤقتة  مع عدداً من منظمات المجتمع المدني  كما يقول الطبيب علي مشرف جمعة المهجر من مدينة حمص الى الشمال السوري : ” قامت وزارة الصحة وبعض منظمات المجتمع المدني  بعدة حملات توعوية من خلال بروشورات ورقية ومن خلال ورشات عمل تهدف للتوعية الصحية و تشمل النظافة  الشخصية والعامة والوقاية من الأمراض المعدية والأمراض الوراثية الناتجة عن زواج الأقارب من الدرجة الأولى والثانية والثالثة أو إنجاب الزوجين في سن متأخرة والذي قد يكون سبباً في ظهور طفرات جينية ومشاكل وراثية لدى الأطفال كأنيما البحر المتوسط والأنيما المنجلية وبعض الإلتهابات الفيروسية وغيرها من الأمراض التي يتم نقلها من جيل الى جيل آخر. والتي قمنا بها بالتعاون مع عدد من المنظمات ولوحظ استجابة من معظم المستفيدين من هذه الحملات  اذ أن عدداً من حالات الخطوبة بين الأقرباء والتي كانت ستحدث في مخيمات الكرامة وقاح وأطمة الحدودية  كانت ستتم لولا معرفتهم بالمخاطر الناجمة عن هذا الزواج  كما قالت لنا بعض المستفيدات وأيضاً تم فسخ عدة حالات من الخطوبة في مدينة #إدلب و جبل الزاوية للأسباب ذاتها مع نصحنا لهم خلال الحملة بإجراء التحاليل اللازمة قبل اتخاذ مثل هذه القرارات” .

ربما تعمل الكثير من العادات و التقاليد في مجتمعنا على تقوية الروابط الأسرية أو العائلية أو الدينية والتي يعتبر زواج الأقارب واحداً منها، و على الرغم من أهمية هذه الروابط  فلا ينبغي أن تكون على حساب الروابط الاجتماعية  والتي تعتبر الأهم في اندماج مكونات المجتمع و تماسكها مع بعضها البعض. و ربما سنحتاج إلى سنوات و سنوات عديدة في توعية المجتمع من الناحيتين الصحية والاجتماعية لتغيير هذا الإرث الثقيل من العادات والتقاليد التي كان لها الدور الأكبر في انتشار هذه الظاهرة وتفشيها في المجتمع .