سلام أحمد (عيني عينك) – يعتبر التهجير من بين أقسى التجارب التي مر بها السوريون في شتى البلاد، وأدى في كثير من الأحيان إلى التفريق بين العائلات السورية، ففي حين نزح البعض من أفراد العائلات إلى الشمال السوري خوفاً من بطش النظام، آثر الجزء الآخر البقاء  للحفاظ على بيوتهم وممتلكاتهم، وهكذا تشتت العائلات ما بين مهجر ومغترب ولاجئ ومعتقل ومفقود وشهيد، لكن لا مجال إلا للتعايش والتأقلم مع الواقع المفروض عليهم، ولكن فلنأخذ وقفة قصيرة بعيدًا عن المآسي، ولنتفكر بواقع امتزجت به فنون تراثية سورية حيث تتلاقى العادات والتقاليد من دمشق وريفها، بأخرى حلبية وغيرها من مناطق سورية.

أخذ الدمشقيون بعد تجربة النزوح يدمجون عاداتهم وتقاليدهم في مجتمع الشمال السوري، ناقلين معهم موروثهم بشكل عفوي، رغم اختلاف لهجاتهم وتنوع عاداتهم وتقاليدهم السورية.

فلنذكر بعض العادات التي تميز منطقة عن أخرى من المدن السورية (دمشق وحلب أكبر المدن السورية، دمشق العاصمة الاقتصادية، وحلب العاصمة الصناعية لسورية) من اختلاف في الأزياء، وتنوع اللهجات وطقوس الخطبة والزواج والأطعمة (الطبخ هو مضمار السباق الأساسي بين الحلبية و”الشوام”  منذ القديم، هناك العديد من الأمثال التي تذكر هذا السباق أو المنافسة الأزلية.

 الزي: هو الميزة المميزة لتمييز المناطق عن بعضها البعض

اشتهر الزي الشامي باللباس البعيد عن الزخرفة والزركشات، الجلباب الطويل والحجاب الأبيض أو الأسود للمنقبات مع النظارة والمناديل لكبار السن، والألوان الأكثر رسمية كالأسود والكحلي والبني والرمادي، وكانت الفتيات تتميز بارتداء الجوارب “الشرعية” ذات اللون البيج الغامق مع تقصير الجاكيتات إلى المرفق مع لبس التنورة.

بينما تميز أهالي حلب بالألوان الزاهية مثل الجوارب المعرقة أو السوداء، والعبايات المزخرفة والمزركشة، والاكسسوارات والأحذية الملونة والمفرغة، وارتداء الشالات تحت النقابات السوداء والعبايات ذات الألوان الزاهية  مثل الخمري والزهري، ويذكر أن هذا الاختلاف بين الزيين، كان بداية غير مقبول من الطرفين، ويروي بعض المهجرين كيف كانوا يعانون لعدم وجود متطلباتهم في الأسواق.

مع الوقت لم يعد الزي معضلة، حتى أن أصحاب المحلات في الأسواق وفروا المنتجات والأزياء المطلوبة من قبل المهجرين (أهالي دمشق وريفها)، حيث اعتبره المجتمع المهجر (أهالي دمشق وريفها) أنها مبادرة جميلة من المجتمع المضيف لتقبله واحترام عادات وتقاليد الآخرين.

وأيضا من التقاليد المعروفة بالمنطقة (الزيارات الصباحية): جلوس السيدات الكبار في السن وارتداء أغطية الصلاة في الأزقة أمام أبواب بيوتهن مع جاراتهن واحتساء القهوة والشاي، بينما في الشام هذه العادة أو الظاهرة غير موجودة على الإطلاق، حيث أن الزيارات الصباحية تكون بالجلوس في شرفات المنازل الداخلية، في باحة المنزل أو غرف الجلوس واحتساء القهوة وتناول الكعك وسرد الأحاديث وقضاء بعض من الوقت.

العرس الدمشقي مقابل الحلبي

المتعارف عليه في الشام أن الزواج هو مشروع العمر، وهو بداية جديدة في الحياة التشاركية، والتي تبدأ من الخطوة للأولى، ألا وهي الخطوبة، حيث يتحمل أهالي العروس تكاليف حفل الخطوبة كاملة (العريس يحضر خاتم الخطوبة للعروس والعروس تحضر الخاتم للعريس)، والمتعارف عليه أيضاً، بعد الاتفاق بين الطرفين يتم عقد قرانهما بشكل رسمي “كتب كتاب وتثبيت بالمحكمة”، وتكاليف الزفاف، أما بالنسبة لتجهيزات العروس، والمنزل، فيتشاركان بها.

يساهم أهل العروس بتجهيز المنزل مع العريس، تجهيزات المطبخ وبعض المفروشات والملابس للعروس، بينما المتعارف عليه بين أهالي حلب وهو أن تكاليف الخطوبة والزواج وجميع المصاريف يتحملها العريس.

اشتهرت المنطقة أيضا بارتفاع مهر العروس والحلي الباهظة (الذهب وشجيرات الزيتون..)، وبالنسبة لعقد القران يتم الاتفاق بين العائلتين وتتم الخطوبة، وقبل حفل الزفاف بأيام قليلة يعقد قرانهما. 

والملاحظ أيضاً أن للزواج مواسم لدى أهالي الشمال السوري، فتبدأ أفراحهم بعد حصاد المحصول الزراعي، وهذا يعود لأن تكاليف الزواج الباهظة يتحملها الشاب، وفي هذا الوقت من العام يكون لديه المال الوفير ليتم زواجه.

ولكل منهما رأي خاص وبأن عاداته وتقاليده هي الأقدم والأصح.

أما التقليد الثالث الخلاف الذي يحكى عنه منذ القدم ألا وهو اختلاف المطبخ الشامي والمطبخ الحلبي. 

تشتهر دمشق وحلب بالأكلات السورية الشهية وبالنفس الطيب ولكل منهما ذوقه الخاص بطريقة التحضير، ولكن لا بد من اختلاف ولو كان بسيطاً بين المدينتين لكنه أيضاً أخذ حيزاً من الوقت لتقبل الطرفين لما هو جديد ومختلف.

أحد الأمثلة القريبة ألا وهو اللبن الرائب، وهو أحد أهم المكونات المستخدمة بالمطبخ السوري

ومن هنا يأتي التمايز حيث ان أهالي حلب والشمال يفضلون لذع الحليب اثناء الغلي ليعطي طعمة مميزة ولاذعة، بينما أهالي الشام وريفها يعتبرون هذه الطعمة غير مستحبة، وأن هذا اللبن غير صالح للاستخدام، كذلك يظهر الخلاف باستخدام الكزبرة الخضراء وعدم استخدامها، واختلاف أصناف الكعك والأطباق الرئيسية.

أما الفارق الذي يعطي كل منطقة ميزة جميلة، فهو تنوع اللهجات

ويأتي هذا التنوع بحسب توزعها الجغرافي و بحسب المحافظة:

المنطقة الجنوبية: وتشمل كل من محافظة درعا والقنيطرة والسويداء ولهجة هذه المنطقة قريبة لبعضها ومشابهة بشكل كبيرة للهجة الأردنية وهذا يعود أيضا لقربها ومجاورتها.

دمشق وريفها واللهجة التي يتكلم سكان دمشق بها هي مزيج بين اللغة العربية واللغة الآرامية القديمة، وهذا يعود لتاريخ المنطقة

حلب وريفها واللهجة التي يتكلم سكان حلب بها هي مزيج بين اللغة العربية والعثمانية والأرمنية وأيضا يعود هذا التنوع لتاريخ المنطقة والأحداث التي مرت عليها.

فالشيء الواضح الذي ظهر بعد حملات التهجير إلى منطقة الشمال هو هذا التنوع الفريد من نوعه فيمكنك أن تميز الشخص من أي منطقة، بمجرد إلقاء التحية، ولكن مع مرور الوقت أصبحت تلاحظ وبشكل عفوي إنك أصبحت تستخدم مصطلحات وكلمات للمناطق الأخرى ونخص الذكر لدى الأطفال فأصبحت الأطفال تتكلم بمزيج لهجات الشامية والحلبية والحمصية و…..، وهذه الظاهرة طبيعية بسبب الاندماج الذي حصل بين المجتمعات وهي أعراض سليمة وصحية بين المجتمعات المضيفة والمهجرة.

ولا ننسى أن نقول ونذكر أننا نطرح هذا الاختلاف فقط لخلق مساحة وديّة بين الأطراف يحترم الطرفان بها عادات وتقاليد الطرف الآخر. إن كل ما ذكرناه حول العادات السورية يمثل حقبة كبيرة من الزمن عاشها السوريين بكل تفاصيلها وأبعادها بصورة نابضة بالحياة وهي تروي غنى سوريا وتنوعها.