صورة تعبيرية. (رويترز)

إيمان داراني (عيني عينك) – بعد أن اجتاح وباء كورونا العالم، احتل المكانة الأبرز في التغطيات الإعلامية وفي التحليلات التي ظهرت حوله من سياسيين واقتصاديين وعلماء اجتماع وأطباء، ومن عموم الناس. اليوم ومع أجواء يبدو الشمال السوري وكأنه من خارج منظومة العالم، ولم تعد نداءات التحذير تجد أذناً صاغية، فهل ملّت الناس تلك التحذيرات؟ أم هي الحاجة؟ أم ضاقت المخيمات بمشاكسات الاطفال واكتظاظ أزقتها؟ أم أن هناك إحساساً منتشراً لدى الناس بأنّ الخطر قد زال ولا داعي لإجراءات الحجر المنزلي بعد الآن؟

أوضحت “شبكة الإنذار المبكّر” في نشرتها الدورية، أنّّ عددَ العينات التي جرى عليها الفحصُ لكشف فيروس كورونا المستجِد بلغ 774 حالة، وجميعُ الحالات حتى صباح يوم الخميس 22/أيار الجاري كانت سلبية.

وقد أكد وزير الصحة في الحكومة السورية المؤقتة “د. مرام الشيخ” في وقت سابق بأن جميع تحاليل العينات المشتبه بها كانت نتائجها سلبية، وأكد أنه لا يوجد أي حالة إيجابية حتى الآن.

التزم الكثير من السكان بالتباعد الاجتماعي سابقا بعد ورود أخبار انتشار الوباء في #تركيا ومناطق سيطرة النظام، لكن سرعان ما عادت الحياة لطبيعتها لأسباب عدة مع استمرار مطالبات المسؤولين بتطبيق قواعد التباعد وبياناتهم التي تفرض تعليق الدوام المدرسي والابتعاد عن التجمعات والتزام البيوت، والتعقيم.

شهد شهر رمضان عودة الحياة إلى طبيعتها في الشمال رغم التحذيرات، وانطلاق فريقُ الاستجابة الوطنية لمواجهة فيروس “كورونا” في منطقة شمال غرب #سوريا من قِبل مؤسسات ومديريات ومنظمات طبية ورسمية في ظلّ انعدام التدخلات الدولية وضعفِ التمويل وانشغالِ المجتمع الدولي بمؤسساته وحكوماته لمواجهة خطر جائحة الفيروس محلياً.

السيدة أحلام وهي نازحة من #معرة_النعمان تقيم في باحة مدرسة في #معرة_مصرين تتساءل: “هل خطر وجود الأطفال خلف مقاعد الدراسة أشد خطرا من تجمعهم بين الخيام للعب واللهو؟!”.

أما السيد “أبو عامر” النازح من الريف الجنوبي لإدلب ويسكن في بلدة #الفوعة فيتحدث عن صورة لرسمٍ معبر من إيطاليا _أكثر دول العالم معاناة من فيروس كورونا _انتشرت على صفحات السوشال ميديا، حيث تحضر سوريا وسط المشهد عندما يسأل الطفل الإيطالي اباه لماذا تنفد الأقنعة الواقية ولا تنفد القنابل فلا يتوقف القتل؟ يجيب الأب هذا ما يسمى الاقتصاد، تم يعلق أبو عامر بقوله: “التباعد الاجتماعي يقينا من كورونا ولا يقينا الأشر من كورونا”

فقد قتل النظام السوري أكثر من مليون سوري بالقصف والتجويع والكيماوي، أما كورونا فلم يتجاوز عدد قتلاه مئات الآف في جميع دول العالم، مما دعا ناشطين على الفيس بوك إلى التعليق بقولهم:” حاربوا #كورونا الشام قبل محاربة فيروس كورونا إن أردتم حماية السوريين من الموت “

يقول علماء النفس أن ردود الأفعال الطبيعية  (الغريزية) الناتجة عن الكوارث والأحداث الصادمة لدي البشر، هي واحدة من ثلاث (الاندفاع _الجمود _ الهروب) ونلاحظ في الشمال السوري أن غالب السكان قد جنحت إلى الاندفاع، وجاء هذا الاندفاع على صورة استهتار، خاصة أن السيناريوهات في أسباب كورونا كلها منطقية وحجتها قوية، مما جعل الحليم فيها حيران، ومنها الذي يتناسب و الموروث المجتمعي الثقافي  والديني لعامة أهل الشمال، فمعظم السوريون يعزون الكارثة إلى تفاسير دينية وروحانية بخطاب ديني خاطئ وذلك لأن الناس تلجأ إلى التفسير الروحي عندما لا  تجد  التفسيرات العلمية المقنعة، وقد تناسب هذا الخطاب مع حاجة سكان الشمال في الخروج والاجتماعات فتبنوه.

من الأسباب الأخرى الممكنة للاستهتار هو الارتباك في انتشار الوباء وعدمه، وعدم وجود أمل يلوح في أفقهم، فالبلدان المتطورة لم تستطع الصمود أمام كورونا فكيف بمدينة كإدلب بعدد سكانها ومخيماتها ومنظومتها الطبية المتهالكة، فهرم الاحتياجات في الشمال متوقف عند القاعدة، حيث الاحتياجات الأساسية من أجل الحياة (طعام _ شراب_ مأوى) ومن المستحيل اتخاذ إجراءات الوقاية، “فلا طعام بدون عمل” ولا حكومة تخفف عن كاهل العمال اليومين أعباء الحياة القاسية كما في جارتها تركيا وباقي دول العالم، وإجراءات النظافة لا يمكن تطبيقها في المخيمات في ظل شح المياه، فكل أسرة نصيبها اليومي من المياه ما يعادل 30 لتر فقط، أما التباعد الاجتماعي فلا يمكن تطبيقه بحال من أحوال المخيمات، حيث لكل شخص مالا يزيد عن 50 سم2 أو أقل من ذلك في الخيمة في 90% من مخيمات الشمال، أما المراكز الطبية  وغيرها من القطاعات الخدمية فيقول الدكتور النفسي “محمد سليمان ” من مدينة #إدلب :”المستشفيات والمستوصفات والأفران ومراكز توزيع الإغاثة وغيرها من الصعب أن تطبق شروط الوقاية بسبب الاكتظاظ، ونحن كعاملين في الصحة النفسية لا يمكننا وضع شروط الوقاية، كوضع مسافة متر ونصف المتر بين المشترين لعدم وجود قانون وجهة حكومية منفذة، ويبقى عملنا في العون النفسي هي رسائل توعوية على مبدأ اللهم قد بلغت”  فعدم وجود قانون وقائمين عليه زاد من استهتار السكان،

ويبقى للشارع رأيه، فشريحة واسعة من سكان المنازل في الشمال ينتظرون الإعلان عن تسجيل أول حالة كورونا ليلتزموا الحجر المنزلي، لكنهم يرفضون توقيف أعمالهم من أجل ما يسمونه “وهماً” أما سكان المخيمات فلا يعتقدون أنهم مستعدون للحجر المنزلي أساساً لعدم استطاعتهم، وكانت أغلب الإجابات على سؤال هل ستلتزمون الحجر المنزلي إذا ظهرت حالات في الشمال لا قدر الله؟ :”من يطعمني ويطعم أولادي” “حجر منزلي ممكن لكن حجر خيمي كيف سيكون” ومن الإجابات ما قالته السيدة “أم درغام” نازحة من معرة النعمان تقيم في مخيم الملعب العشوائي في قرية إبين:”إذا خزان الماء 10 براميل لكل المخيم الذي يسكنه أكثر من عشرين عائلة فكيف نستطيع تطبيق النظافة الشخصية في غير كورونا لا في كورونا؟!! ” ثم تختم كلامها بابتسامة مصطنعة تخبئ خلفها خوفها: “إذا تفشى كورونا بكون الموت أريحلنا من هل العيشة “

يتطابق المشهد في مناطق سيطرة النظام مع الشمال السوري في التعاطي مع الوباء إلى حد كبير، فظروف المعيشية السيئة للسويين أصبحت واقع في أنحاء سوريا. حيث يضطر الكثير للخروج من أجل المال وتأمين مستلزمات الحياة التي أصبح تأمينها غاية في الصعوبة في ظل الضائقة الاقتصادية وشح موارد الطاقة وغلائها.

مع استمرار انتشار الوباء في تركيا ومناطق النظام، وفي ظل غياب لقاح فعال له حتى هذه اللحظة، بيقى الخطر محيطاً بالمناطق المحررة، مع غياب الدعم الدولي لقرابة أربعة ملايين شخص محاصرين في الشمال، أغلقت في وجوههم كل المعابر عدا معبرهم إلى السماء جرّاء قصفٍ أو جائحة.