سالي آدم (عيني عينك) – بالرغم من التقدم الإنساني المستمر، إلا أن الموروثات الشعبية ما زالت تحافظ على وجودها بزخم، فارضة نفسها كجزء من ثقافة المجتمع وأفكاره وتاريخه، وفي هذا الخصوص شهور الشتاء والربيع التي تذخر بالأمثال والتسميات والتقسيمات الشعبية التي يتعامل بها الفلاح في بلاد الشام عموماً وفي سوريا خصوصاً كتقويم يهتدي به إلى مواسم الزراعة والأمطار والحصاد.

التقويم الشعبي الموروث يتعاطى مع خمسينية الشتاء التي يطلق عليها “السعودات” وهي مقسمة إلى أربعة أجزاء، كل جزء يحمل اسم سعدٍ ويضم اثنا عشر يوماً ونصف اليوم، ليكون مجموع الأيام لهذه الفترة الزمنية هو خمسين يوماً، ذاخرة بالأمثال والعبارات التي تميزها عن باقي الأيام والفترات الزمنية خلال العام الواحد.

تسبق هذه الفترة الزمنية، فترة تستمر أربعين يوماً يطلق عليها “مربعانية الشتاء” تبدأ في تاريخ 22 ديسمبر إلى 31 يناير، وتسمى في بعض المناطق الأربعينية، وهي تمتاز بالبرد القارس وتساقط الثلوج غالباً، وتقل فيها حركة الناس وخاصة في الليل، وتحدثنا أم حسين عن هذه الفترة قائلة: ” رغم قسوة البرد فيها وما يحمله من متطلبات، إلا أن هذا البرد القارس يجعل العائلة تجتمع في المنزل أول المساء طلباً للدفء، حيث يكون المساء طويلاً في فصل الشتاء، ويحلو جو العائلة والسمر عند الموقد المشتعل، بخلاف فصل الصيف الذي تعتبر فيه فترة المساء قصيرة جداً”

بالعودة إلى ‘السعودات’، فهي تبدأ بـ “سعد ذبح” كناية عن شدّة البرد خلاله بين تاريخ (13-1) شباط، ومن الأمثال الشعبية عنه “سعد ذبح، كلبه ما نبح، وفلّاحه ما فلح، وراعيه ما سرح” والمثل القائل “سعد ذبح، لا خلّا كلب ينبح، ولا فلاح يفلح، ولا راعي يسرح’.

يليه “سعد بلع” وسمي بذلك لأن الأرض تبلع الماء كلما أمطرت السماء، ويمتد هذا السعد بين تاريخ 13) – (25 شباط، وهنا تبدأ البرودة بالانخفاض وتبدأ الحرارة بالارتفاع، ومن الأمثال الشعبية عن هذا السعد ‘بسعد بلع، بتنزل النقطة وبتنبلع’.

ثم يأتي ‘سعد سعود’، والذي يعتبر بداية لفصل الربيع، إذ إن أوراق الأشجار تبدأ بالنضج وتتفتح الأزهار وتنمو الحشائش، وهو يمتد بين تاريخ(26) شباط و(10) آذار، ومن الأمثال الشعبية عن هذا السعد المثل القائل “بسعد السعود بتدبّ الميّة بالعود، وبيدفى كل مبرود” أي أن المياه تبدأ بالجريان تحت الأشجار وخاصّة دوالي العنب.

وتنتهي السعودات بـ “سعد خبايا’ الممتد بين تاريخ (22-10) آذار، وسمّي بذلك بسبب خروج الزواحف المختبئة خلال فترة البيات الشتوي، ومن الأمثال الشعبية عن هذا السعد ‘بتطلع الحيايا وبتتفتل الصبايا’ وأيضاً ” بسعد خبايا زت الفروة والبس العباية” 

ومن التسميات الشعبيّة التي تتقاطع مع فترة ‘السعودات’، الفترة الممتدة من آخر أربعة أيام من شهر شباط وأول ثلاثة أيام من شهر آذار وتسمى وفق الرواية الشعبية ‘المستقرضات’ بسبب اقتراض شهر شباط، من شهر آذار بعض الأيام، لكي تطول فترة هطول المطر، ويطلق عليها أيضاً ‘أيام العجوز’، لأنها تقع في آخر أيام الشتاء حيث يكون البرد في أشده والأمطار غزيرة، ومن الأمثال الشعبية في هذه الفترة المثل الذي يخاطب فيه شهر شباط شهر آذار قائلاً: ‘ثلاثة منك وأربعة مني لنخلّي العجوز تولي’ وأيضاً ‘يا آذار يا ابن عمّي، أربعة منّك وثلاثة منّي، وخلِّ العجوز تولّع دولابها’، ويقصد بالدولاب خزانة الملابس التي تضطر ربّات البيوت لإحراقها بعد نفاذ الحطب جرّاء برد ‘مربعانيّة الشتا’ أي شهر كانون أول وكانون ثانٍ.

وتتقاطع مع السعودات فترة تسمى ‘أيّام الحسوم’، التي تبدأ من (11) آذار وقيل إن مدتها تتراوح من (8-6) أيام وسميت بذلك لأنها أيّام برد وريح شديدة، ورُصِدت ثلاثة أيام خلال فترة السعودات سميّت بـ ‘سقوط الجمرات الثلاث’، حيث تسقط الجمرة الأولى في (20) شباط: وهي جمرة الهواء فيشعر الناس بدفء الهواء، بينما تسقط الثانية في (27) شباط، وهي جمرة الماء فيشعر الناس بدفء الماء، أما الثالثة، فتسقط في (6) آذار: وهي جمرة الأرض، فيشعر الناس بدفء الأرض.

وبالعودة إلى قصة السعودات ومن أين جاءت هذه التسمية، تقول الرواية الشعبية المورثة أن رجلاً اسمه سعد قد سافر في الأول من شباط وعندما أحس بأن اشتداد البرد قادم، ذبح ناقته، وأبقى من لحمها ليقيته  عند اشتداد البرد والثلوج في “سعد بلع”، كما احتمى بجلدها حتى انتهى تساقط الثلج، فيما لم يقبل من رافقه فعل الشيء نفسه، وحافظوا على قطعان إبلهم، فجرفتهم مياه الأمطار في الوديان وعانوا من البرد وقلة المؤونة بعد ضياع قطعانهم، فيما ظل سعد على قيد الحياة.

ولكن للكبار في السن روايات أخرى حيث تحدثنا الجدة أم علي: ” أن رجلاً اسمه سعداً، كان في طريقه للسفر فنصحه أبوه أن يتزود بفراء وقليل من الحطب اتقاء لبرد محتمل، فلم يسمع نصيحة أبيه ظناً منه أن الطقس لن يتغير كثيراً أثناء رحلته، وفي ذلك الوقت كان الطقس دافئاً، ولكن ما أن بلغ منتصف الطريق حتى هبت ريحٌ باردة وهطل مطر وثلج بغزارة، ولم يكن أمامه سوى ذبح ناقته الوحيدة، حتى يحتمي بجلدها مختبئاً من البرد القارس فكان سعد ذبح، وعندما جاع لم يجد أمامه سوى لحمها فأكل منه فكان سعد بلع، وعندما انتهت العاصفة وظهرت الشمس خرج سعد من مخبئه فرحاً فكان سعد سعود، وعندما قرر متابعة طريقه مستفيداً مما حصل معه صنع لنفسه من وبر الناقة معطفاً، تزود من لحمها المتبقي فكان سعد الخبايا”

وتروي لنا الجدة أم محمد رواية أخرى حيث تقول: “خرج شخص يدعى سعد من منزله إلى الحقل برفقة بقرته، وفي هذه الأثناء هبت عاصفة قوية وبرد قارس مع ثلوج غزيرة فلم يستطع سعد العودة إلى بيته فحزنت أمه كثيراً، فقال لها والده: لا تحزني، وتأكدي سعد إذا ذبح فلن يُذبح، وإن لم يذبح فسيُذبح، وفعلاً عاد سعد بعد فترة إلى منزله وهو متلحف بجلد البقرة”

وبالرغم من أن هذه القصص التي تم سردها، هي تراث شفوي لم يتم التحقق من موثوقيتها التاريخية، إلا أن الموروث الشعبي الذي استخدم هذا التقويم كان لديه استشعار بهذه بفترات ومعرفة ما يدور فيها وما يطرأ عليها من تقلبات في الطقس، فكان خير دليل في زمن لم تكن فيه نشرة أخبار جوية، ولم يكن فيه عمنا جوجل يخبرنا بأحوال الطقس وتقلباته.

حكايا وأمثال صاغها الموروث الشعبي السوري عن الطقس تتماشى مع علاقته المتبادلة مع الزراعة والمطر، دون أدوات علميّة دقيقة ربما، لكنها ليست إلا دليلًا على استشعاره بها ومعرفه بكل ما يدور فيها وما يطرأ على تقلبات المناخ، التي تؤثر في مسار حياته ورزقه طوال السنة.