منيرة بالوش (عيني عينك) – “كنت أعلم أن الذكرى السنوية الأولى لفقد أطفالي “محمد ومصطفى” ستكون مؤلمة موجعة، تكسر ضهري، وتفطر قلبي من جديد، ولكن هذه المرة بشكل أعنف وأقسى” بهذه الكلمات عبرت غدير ابنة بلدة حاس من ريف #إدلب الجنوبي، عن مخاوفها تجاه مرور ذكرى “قتل” أطفالها كما تقول فهم لم يموتوا ميتة طبيعية، بل قتلوا بنيران طائرات #الأسد عندما قصفت مدينة حاس في العاشر من رمضان الماضي، حيث نزحوا للمرة الأخيرة نحو السماء، فيما بقيت عائلة غدير تنزح من مكان إلى آخر تهرب بما تبقى من أطفالها كي لاتطالهم يد الموت مرة أخرى.

تعود غدير بذاكرتها المتبعة إلى أدق التفاصيل التي تحتفظ بها عن ولديها الصغيرين وتحكي لنا قصة أم مكلومة تجرعت موت أحب أطفالها إليها، ككثير من الأمهات السوريات اللواتي ابتلعت الحرب أبنائهن وأبقت لهن قليلاً من الذكريات والكثير من الخيبات والقهر.

تقول غدير إنها لم تشأ أن تنزح من بيتها رغم أن كثيراً من أهل المدينة قد هربوا بسبب القصف الكثيف في الحملة الأخيرة على الريف الجنوبي، لكن وضعهم المادي لايسمح لهم بالتنقل والإيجار فآثرت البقاء مع أطفالها وزوجها في حاس.

كانت أصوات الطائرات تفتك بأعصابهم وتحيل أيامهم إلى خوف دائم وقلقل مستمر، تذكر كيف كان يتشبث محمد الصغير ذو الأربع سنوات ونصف بحضنها، كلما سمع أصوات القصف، يخبئ رأسه في ثيابها وكأنه المكان الوحيد الآمن في هذا العالم، تلفه بقوة، وتقبله وتقول له” لاتخاف ماما، أنا جنبك حبيبي” يلتف حولها بقية أطفالها ليستمدوا القوة من لمسة يديها على شعرهم ومن دعائها الذي لايبارح شفتيها.

أما مصطفى (11 عاماً) فكان يبدي قوة واستخفافاً من حالة الذعر تنتهي بضحكة طويلة، وكأنه يقول أنا لا أخاف من الطائرة. كان تصرفاته أكبر من عمره، العائلة كلها تحبه خاصة جده وأعمامه اللذين يسكنون بالقرب منهم ويقضي وقتاً طويلاً عندهم، يحمل نفسه مسؤولية العائلة يساعد أمه في كل شيء، تقول غدير إنها كانت تعتمد عليه في شراء حاجيات المنزل، وفي الذهاب معها إلى الطبيبة أو إلى السوق وكان يهتم بإخوته الصغار ويحبهم ويلاعبهم كان رفيق أمه وحبيبها و”رَجل البيت” كما تسميه.

تغص غدير بدموعها، تبكي أطفالها بحرقة، تقول “ليتني مت قبلهم ولم أذق لوعة بعدهم عني، كيفما التفت أراهم أمامي، لم أستطع يوماً أن أنسى كلماتهم الرقيقة، وضحكاتهم الجميلة، وحركاتهم الشقية..فراشهم الفارغ يشعرني بالموت كل ليلة، لاشيء يعوض خسارتي بهم”.

“لقد تحقق الكابوس الذي رأيته قبل وفاتهم بمدة قصيرة، رأيتهم بهيئة طيرين أبيضين صغيرين، لهم عيون سوادء ذابلة، واضعين رؤسهم قرب بعض، ثم أتى والدهم وقطف ريشتين من ظهورهم”. لم أستطع أن أنم ليلتها، انقبض قلبي وأحسست بمصيبة قادمة، هرعت إلى فراشهم اتفقدهم وأقبلهم بلهفة عجيبة حتى هدأت جوارحي واطمأن قلبي”.

لم يمر وقتاً طويلاً، تذكر غدير هذا التاريخ جيداً. الساعة الحادية عشرة صباحاً من يوم الخميس 16 أيار، حتى غدا محمد ومصطفى طيرين من طيور الجنة، غادرا هذا العالم القبيح إلى عالم يمكن للأطفال فيه أن تعيش بسلام
مات الطفلان بنيران غادرة من “حربي رشاش” استهدف حارتهم بينما كانا يلهون مع أصدقائهم أمام منزلهم..

بقيت ثياب العيد الخاصة بهم معلقة وحيدة لم تلمس أجسادهم الغضة، كانا قد اختارا ألوان ثيابهم بأنفسهم، ويعدون الأيام ليأتي العيد ويفرحون بثيابهم الجديدة غير أن العيد كان بعيد جداً عنهم وفارقا الحياة قبل أن يفرحوا كباقي الأطفال في العالم.

مات كثيراً من أطفال سوريا الأبرياء كمحمد ومصطفى، بشتى أنواع الموت سواء بالقصف أو البرد أو الجوع أو تحت الركام، كان الأطفال الخاسر الأكبر من هذه الحرب القذرة، التي حرمتهم أبسط حقوقهم في الحياة واللعب والفرح وأبقت آلاف الأمهات الثكالى اللواتي يقتاتون على سرد الذكريات والحكايا ويتألمون في كل مرة آلاف المرات.