م: وكالة رويترز

إيمان داراني (عيني عينك) – “اللهم بلغنا رمضان” دعاء يجري على ألسنة المسلمين طيلة أحد عشر شهراً، وينتظرون على اختلاف درجات التزامهم الديني الشهر الكريم من أجل أجوائه المميزة، ولقاءات الأقارب والأحباب، والتفافهم حول موائد الإفطار، حيث الجميع  ينتظرون آذان المغرب معلناً انتهاء صومهم، حتى أنّ البعض من غير المسلمين يشارك في طقوس الشهر ليحضروا على موائد الإفطار والسحور عند جيرانهم.

لشهر “رمضان” قدسية خاصة عند المسلمين على باقي الشهور القمرية، باعتباره شهر الخير والبركة وتوسعة الرزق، وشهر غفران الذنوب والتوبة والإنابة إلى الله، إذ يأتي شهر رمضان لينتظم جميع المسلمين ضمن نظام واحد في قيامهم وصيامهم وإفطارهم.

تبدأ تحضيرات رمضان قبل حلوله بأيام لتمتلئ الثلاجات ورفوف المطابخ بما يضمن غنى مائدة السحور بعدة أطباق تفتح شهية المقبل على الصوم وتعينه على تحمل الجوع اثناء النهار، وتتزين واجهات المحال وبسطات الباعة بألوان الفواكه والخضروات معلنة بذلك سرورها واحتفاءها بقدوم شهر رمضان، وتتزين المساجد بالأضواء طيلة ليالي رمضان، وتعج ساحاتها  بعباد الله من النساء والرجال.

لكن رمضان في هذا العام مختلف تماما عنه في سنوات سابقة، وذلك بعد انتشار وباء كورونا في أرجاء العالم، فمع اقتراب الشهر الفضيل تزداد الدعوات لالتزام المنازل وفض التجمعات ومنع صلاة الجماعة في المساجد ودور العبادة، وفرض العزل المنزلي للوقاية من انتشار الفايروس، ولا أثر لمظاهر الاحتفاء بقدومه كما في السابق  في الشوارع وعلى الشرفات أو في الأسواق، فقد خلت الأسواق في معظم بلدان العالم من ازدحام المتسوقين.

بعد أن انعكست إجراءات العزل بشكل ملحوظ على فترة الصوم الكبير لدى الكاثوليك والمسيحيين الذين يتبعون التقويم الغربي خلال شهر مارس/ آذار المنصرم، تزداد الخشية من أن تلقى شعائر رمضان المصير نفسه، خاصة بعد قرار منع صلاة التراويح جماعة في المساجد في عدد من الدول الإسلامية ومنها السعودية (وهي صلاة خاصة في شهر رمضان بعد صلاة العشاء اعتاد المسلمون أداءها جماعة في المساجد) والتشديد على ضرورة الالتزام بقواعد التباعد الاجتماعي خلال شهر رمضان، وتجنب إقامة موائد الإفطار مع الأقارب والجيران والأصدقاء.

حتى وصل الأمر في الآونة الأخيرة لظهور فوضى في الفتاوى حول جواز إفطار شهر رمضان او تأجيله، بدعوى الحد من انتشار العدوى.

يرى السيد “محمد أحمد” والذي يعمل في الصحة المجتمعية أن الصوم قد يساهم في تعزيز إجراءات الوقاية بسبب حصر الطعام  والشراب في وجبتين، مقابل عدم إمكانية حصر الوجبات والأطعمة والمسليات والمشروبات في الأيام العادية، وقد اعتاد الناس عدم الاهتمام بغسل اليدين إلا قبل تناول الوجبات الرئيسية. “من الملاحظ أيضا قلة التجمعات والخروج من المنزل في نهار رمضان مما يعتبر نوعاً من الحجر المنزلي، ويبقى التأكيد على عدم التجمعات على موائد الإفطار والدعوات لها بين الأقارب والأصحاب، وهذا ما نعمل عليه اثناء جلسات التوعية التي نقوم بها”.

يذكر منظمة الصحة العالمية قد أصدرت بياناً في معرض ردها على سؤال حول ما إذا كان شرب الماء يخفف من التهاب الحلق ويقي من عدوى فايروس كوفيد 19؟ يفيد بأن شرب الماء هام للحفاظ على مستوى الرطوبة في الجسم مما يحفظ الصحة، ولكن لا يقي شرب الماء من العدوى بفيروس كورونا”

من جهته نشر مركز الأزهر عبر صفحته على الفيس بوك بياناً قال فيه: “لا يجوز للمسلم أن يُفطر رمضان إلا إذا قرر الأطباء وثبت علمياً أن الصيام سيجعله عرضة للإصابة والهلاك بفيروس كورونا، وهو أمر لم يثبت علميّاً حتى هذه اللحظة، أما مرضى كورونا فبإمكانهم الإفطار”.

لم يكن شهر رمضان لهذا العام مختلفاً كثيراً عما شهده المحاصرون السوريون في مناطق المعارضة لأعوام. تتحدث السيدة “سمية” وهي من ريف دمشق ومن الذين حوصروا في مدينة داريا طيلة أربع سنوات: “كان الامل يحدو بالمحاصرين إلى انفراج سيحدث مع اقتراب رمضان، لكن النظام السوري كان يتحيين الشهر الكريم وساعات الإفطار(عند الغروب) التي حدّث عنها الرسول الكريم  محمد صلى الله عليه وسلم في قوله :”للصائم فرحتان” الأولى منهما عند موعد الإفطار التي حولها النظام لساعة الفزع الأكبر والموت بالبراميل  المتفجرة، لتبقى ذاكرة الشهر الكريم في نفسي مدماة تقطر عند غياب شمس كل يوم منه وتذكرني بمن قتلوا صائمين”.

أما مساجد المدينة فقد دمرت وانحنت مآذنها وصمتت حتى في أيام وليالي تراتيلها، ولم تكن لتعمر بالمصلين خوف استهدافهم. وحتى صلاة العيدين والمعايدات وموائد الافطار العائلية حرموها طيلة الأربع سنوات، ولم يكن هناك من أسواق أو محال تجارية للتسوق من أجل رمضان أو من أجل العيد، “ورب رمية من غير رام “فما كان لقائد همام توحيد العالم على امر كما وحده الوباء اليوم.

تكمل السيدة “سمية” حديثها عن التشابه الكبير بين أيام الحصار وما يمر به العالم اليوم، وتربط بين ما تبثه وسائل إعلامية من فيديوهات وتلك الأيام الخوالي: “القبور مجهزة بانتظار القتلى، المشيعون لا يتجاوزون عدد الأصابع، وصلاة الجنازة تقام صلاة الغائب في البيوت، الحياة المدنية شبه متوقفة تماما كما نرى اليوم، لقد مررنا بكل ما هو سيئ حتى أصبح أمر الوباء العالمي عادياً وننتظر بصمت ماذا بعد”.

ولا يزال أغلب المهجرين والنازحين محرمون من أجواء رمضان حتى مع غياب كورونا، بعد أن أضحى اجتماعهم بأهليهم وأقاربهم حلمهم الذي ينتظرونه، لذلك لن تغير كورونا الكثير من واقعهم، لكن العالم سوف يعاني ما يعانيه غالبية الشعب السوري لاول مرة منذ تسعة أعوام.

 مع تقارير تتحدث عن أعمار الأوبئة التي أصابت البشر عبر التاريخ والتي _تتراوح بين ثلاثة أشهر وخمسة أشهر _ يسطع أمل أمام الكثيرين بفرج يحمله رمضان، وبعيد فطرٍ مميز للبشرية، يحمل رايات النصر على “كورونا” مع تكبيراته.