درعا. مصدر الصورة: VOA

إيمان داراني (عيني عينك) – منذ قرابة أسبوعين دعا صهر عائلة الأسد وقائد ميليشيا #مغاوير_البعث “جهاد بركات لإبادة أهل #درعا صغاراً وكباراً، معتبراً أنّ “الكيل قد طفح” ووصف في منشور على موقع فيسبوك أهالي درعا بـ”الإرهابيين”.

جاءت تصريحات بركات عقب مقتل ضابطين بارزين من الساحل السوري في مدينة #الحراك وحاول استباق ما يمكن أن ينتج عما تعانيه البلاد من أزمة اقتصادية مهدداً بقتل أي شخص تسول له نفسه بالتظاهر فيما يسمى بـ “ثورة الجياع”.

واللافت للنظر ما لاقاه منشوره من تفاعل من قبل مؤيدي النظام حيث علق أحدهم بوجوب:”استئصال السرطان قبل ما يرجع ينتشر” وعلق أخرون بوجوب مسح مناطق التسويات لا الاقتصار على درعا فقط.

فهل أيقن النظام ومؤيدوه أن الثورة بدأت جذوتها بالاشتعال من جمراتها الأولى؟ وهل يرون أن سيناريو مصالحات درعا و #الغوطة_الشرقية خطأ يجب إعادة النظر فيه؟

بعد تنفيذ اتفاقية التسوية في درعا (يونيو/حزيران 2018) في الجنوب السوري بحوالي شهرين بدأت قوات النظام بش حملات المداهمة والاعتقال التي طالت حتى حاملي بطاقة التسوية، كما شنّت القوى الأمنية بتاريخ 28 تشرين الأول 2018 في الشيخ مسكين حملات على قرى في ريف درعا خلافاً لاتفاقات التسوية مع كل منطقة التي سمحت باحتفاظ المقاتلين بالسلاح الخفيف، وعدم دخول قوات النظام وأجهزته الأمنية إلى داخل المدن، اعتقلت عدد من شبّان  المدينة كما اعتُقل آخرون رغم عملهم ضمن التشكيلات العسكرية في قوات الأسد، و بعد ما يقرب من عام ونصف أعاد النظام  جثة أحد المعتقلين وهوالشاب “رضوان رزق السرور” وعليه أثار التعذيب، ضارباً  بذلك عرض الحائط ببنود اتفاقية التسوية فيما يخص المعتقلين.

اتسمت مرحلة التسوية في الجنوب خلال عامها الأول بالفلتان الأمني وانتشار الجرائم “مجهولة المنفذ”، فقد اغتيل قياديون ومقاتلون سابقون في الجيش الحر، بالإضافة إلى شخصيات تابعة للنظام، واغتيالات طالت قوى الامن وعناصر المصالحات، في ظل احتدام الصراع بين الفروع الأمنية التابعة للنظام، أما في عامها التاني فقد ازدادت وتيرة الاغتيالات والأعمال العسكرية ضد حواجز الجيش والحواجز تابعة للمخابرات الجوية، وامتازت هذه الفترة بظهور بعض التنظيمات من العتمة الى النور، إذ بعد أن كانت عمليات كهذه تُنفّذ دون أن تعلن أي جهة تبنيها، بدأت بعض الجهات تعلن عن تبني العمليات،والتي جرى أغلبها في الريف الغربي للمحافظة، حيث يكثر تواجد عناصر سابقين في المعارضة المسلّحة (مع سلاحهم الخفيف)، بالإضافة إلى تشكيلات عسكرية معارضة، وفي مقدمتها ما يُعرف باسم “المقاومة الشعبية في الجنوب”.

بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فإن عدد الهجمات ومحاولات الاغتيال عبر تفجير عبوات وألغام وآليات مفخخة وإطلاق نار خلال الفترة الممتدة منذ يونيو/حزيران الماضي وحتى شهر مارس/آذار، زاد عن 353 عملية، قُتل فيها 213 شخصاً، بينهم 45 مدنياً، و113 من قوات النظام والمسلحين الموالين لها والمتعاونين مع قوات الأمن، و39 من مقاتلي الفصائل ممن أجروا “تسويات ومصالحات”، وباتوا في صفوف أجهزة النظام الأمنية من بينهم قادة سابقون، و16 من المليشيات السورية التابعة لحزب الله اللبناني والقوات الإيرانية.

عمل النظام بعد اتفاقية التسوية علي تجنيد عملاء ومخبرين، وعملت #روسيا على تشكيل الفيلق الخامس ليكون قوة عسكرية وأمنية منظمة، وأوكلت قيادة الفيلق في جنوب سوريا لـ”أحمد العودة “، الذي يتولى قيادة فصيل «شباب السنة»، وضم  متطوعين يرغبون بالحصول على الراتب الجيد، أو موظفين حكوميين ومطلوبين للتجنيد الإلزامي والخدمة الاحتياطية ليتم تدريبهم.

أما بالنسبة التشكيلات المعارضة والتي لم تظهر الا بعد العام الأول للتسوية فقد تبنى تنظيم #داعش عدة عمليات عبر وكالة “أعماق” التابعة للتنظيم، وأصدرت “ولاية الشام- حوران” التابعة أيضا للتنظيم بيانًات تبنت فيها اغتيال شخصيات تابعة للمخابرات والجيش السوري.

وأعلنت مجموعة تطلق على نفسها اسم “ثوار درعا” على وسائل التواصل الاجتماعي، تبنيها لعمليات استهداف ضابط من  قوات النظام،

وتبقى الكثير من العمليات لم تتبناها أي جهة، فمقتل الضابطين من رتبة عميد وعقيد والذين كانا يعملان فى مقر اللواء 52 بريف درعا”، وهي الحادثة التي تسببت بغضب صهر عائلة الأسد “بركات” لم يتبناها أي تشكيل، ولذلك  فإن ناشطين من درعا، يقولون “إن أعمال العنف تأتي في إطار الرد على استمرار انتهاكات قوات الأسد بحق أبناء المنطقة”.

هل ستسمح الظروف الموضوعية بعودة بوادر الثورة إلى محافظة درعا؟

 وهذا يقودنا للحديث عن حامل الثورة الأساسي والذي يضرم جذوتها بعد أن تخبو، وهو القناعة التامة بمسؤولية النظام عن جرائم الحرب مع إفلاته الدائم من المساءلة والعقاب، وتصعيد آالياته القمعية، وحجم الدمار الهائل  والنزوح ودرجة الأذية الإنسانية التي تسبب بها، وقمع الحريات المستمر وفراغ البلاد من شريحة الشباب ومن الكوادر الفنية والمهنية، وعدم إحداث أي تغييرات مشجعة في سلوك النظام، كل تلك حقائق لن يتمكن النظام وفريقه  من تجاوزها مهما عقد من مصالحات وأقام من تسويات، فالمظاهرات في بعض المناطق، والكتابات على جدران الأماكن العامة دليل واضح على عدم تقبل المواطنين في الجنوب لسيطرة النظام ومليشياته، وبخلاف الصورة العامة التي توحي بسيطرة كاملة لقوات الأسد على محافظة درعا، فإنه لم يتمكن من تثبيت نفوذه الكامل، على عكس باقي المناطق التي دخلها بموجب التسويات والمصالحات كالغوطة الشرقية، ويعود ذلك لأن قوات الأسد اقتحمت المنطقة الشرقية بالقوة العسكرية، بينما سيطرت على المنطقة الغربية بالتفاوض وتسليم السلاح الثقيل.

و تتصاعد وتيرة الاغتيالات والهجمات في الجنوب السوري في الأسابيع الأخيرة على نحو لافت، ، تزامناً مع محاولة قوات النظام بمؤازرة روسية إحكام سيطرتها على كامل مناطق المحافظة، كما حدث عند اقتحام الصنمين والسيطرة عليها بالكامل، وترحيل 21 مسلحاً من المعارضين للتسوية إلى الشمال السوري، إضافة إلى تسوية أوضاع الراغبين بالبقاء في محافظة درعا، وتهديد وجهاء مدبنة جاسم باقتحام المدينة إن لم يتم تسليم الأسلحة الموجودة فيها،

ومن اللافت اليوم التزمت الكبير من المؤيدين له خاصة بعد انتشار كورونا والتعامل الحكومي الغير مسؤول مع الوباء، وما يشهده الاقتصادي السوري بعد تدهور صرف الليرة ، وارتفاع أسعار المواد الغذائية، وازدياد نسبة الفقر إلى أكثر من 70%، والتخوف الكبير من انتشار الوباء مع تدهور المؤسسة الطبية في البلاد، مما يجعل الأيام القادمة مؤهلة لثورة جياع، وعودة محتملة للثورة من مهدها الأول.

إيمان ديراني