صورة تعبيرية (وكالات)

إناس سرحان (عيني عينك) – لعب النفط منذ عشرات السنين دور المحرك الأول لسياسات الدول وتوجهاتها كداعمٍ رئيسي للاقتصاد في أغلب البلدان، ولعب دوراً مؤثراً في توجيه التحركات الدولية بما يشمل الحروب التي نشبت في العالم خلال العقود الماضية في محاولة الجميع للسيطرة على منابعه وتجارته ونقله. الحال في الشمال المحرر السوري ليس استثناءاً من تقلبات سوق النفط في العالم، ولكن على مستوى جماعات وأفراد.

منذ بداية الثورة وتوسع نطاقها وسيطرة الكيانات المعارضة على الكثير من المناطق النفطية، بدأت الانقسام والاقتتال فيما بينها حول السيطرة على تلك الثروة مما قد يصل حد تصفية بعضها البعض. يروي أبو مصطفى – تاجر سابق كان يعمل بنقل المحروقات من المناطق التي كانت واقعة تحت سيطرة تنظيم #داعش إلى المناطق الواقعة في ريف #إدلب: “كنت أنقل النفط من ريف #حلب الشرقي والرقة ودير الزور إلى الشمال المحرر حالي كحال الكثيرين الذين كانوا يعملون في هذا المجال. كان النفط رخيصاً مقارنةً بالأسعار الحالية. فقد كان في سنة 2015 م بسعر 10- 12 ألف ليرة، ونبيعه بسعر 15-17 الف ليرة للبرميل الواحد. غالباً ما لعب التنافس دوراً في سعر هذه المادة فحينها كانت التجارة حرة في هذا المجال. ولكن وبعد الحرب التي حصلت في تلك المناطق وبعد الاقتتال الذي حصل في الشمال المحرر وسيطرة فئة واحدة على زمام الأمور وتحكمها بكل مفاصل الأمور أصبحت تجارة المحروقات مقيدة ومحصورة بفئة متحكمة بأسعار هذه المادة. بسبب حالة انقطاع النفط السوري بدأ استيراد النفط المعروف محلياً باسم “النفط الأوروبي” بمواده المازوت والبنزين والغاز عن طريق #تركيا  . وفرت هذه الشركة الغاز بعد انقطاعه من مناطق النظام وعملت على تأمين باقي المواد في المحرر. لكن للأسف الأسعار مرتفعة جداً لا تلبي متطلبات الناس ولا تراعي أوضاعهم الاقتصادية الصعبة “.

في السياق ذاته يحدثنا أبو محمد وهو أحد العاملين في الشركة المستوردة الوحيدة للنفط: “منذ عامين تقريباً باشرت الشركة أعمالها وقامت باستيراد المازوت والبنزين والغاز لكن لم يكن هناك إقبال على المازوت والبنزين بسبب غلاء مادة المازوت المستورد بالنسبة للمازوت السوري فمنذ سنة تقريباً كان سعر ليتر المازوت المستورد يتراوح بين 450 و500 ليرة بينما كان سعر ليتر المازوت السوري يتراوح بين 225 و275 بحسب نوعه وجودته. فأغلبنا كان يتجه للمازوت السوري الأرخص فكان سوق المستورد شبه متوقفٍ تقريباً والمشترون يفضلون “البنزين” السوري لانهم يرونه أفضل. لكن في الشهر التاسع من السنة الماضية تقريباً انقطع النفط السوري الذي كان يأتينا عن طريق عفرين وأعزاز بسبب التصعيد العسكري في تلك المناطق فلم يعد أمام الناس خيار بديل عن المستورد بكل أنواعه على الرغم من ارتفاع أسعاره”.

تأخر انخفاض أسعار النفط في الشمال المحرر وعدم مجاراته للانخفاض العالمي

ولكن كيف يمكن تفسير عدم تأثر الأسعار في الشمال بالانخفاض الحاد للأسعار العالمية؟ يرى جهاد أبو محمد وهو تاجر يعمل في الشمال المحرر أن فكرة انشاء شركة لتأمين حاجات الشمال المحرر من المشتقات النفطية هي فكرة جيدة لكن لاتلبي حاجات الناس لأنها اتخذت شعار الربح فبحسب رأيه أن المشتقات النفطية هي التي تتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للناس ومن هذا المنطلق يجب ألا تكون تلك المنشآت ربحية وأن تكون خدمية وهنا يكمن السبب وراء عدم الانخفاض وعدم مراعاة الأسواق العالمية بل على العكس كان الانخفاض فرصة لتحقيق المزيد من الأرباح ولم يحصل سوى انخفاض بسيط لمادة البنزين حيث وصلت إلى 150 ليرة على الليتر الواحد ليصبح 600 ليرة بدلاً من 750 ليرة ومازالت الناس تنتظر انخفاض مادة المازوت التي لو انخفض سعرها لخففت الكثير من الأعباء اليومية على كاهل الناس.

في المقابل يرى مصطفى، أحد الأهالي، أن سعر النفط يتحكم فيه سعر الاستيراد من الجهة الوحيدة وهي #تركيا

النتائج السلبية لاحتكار النفط

يشرح لنا أبو مصطفى عن نتائج احتكار النفط في شركة واحدة قائلا : “في بداية الأمر كانت الفكرة جيدة عندما استطاعت القوى الأمنية ضبط أسعار الغاز المنزلي الذي كان يأتي من مناطق النظام فحددت سعره وحددت هامش ربح بسيط للتجار لكن بعد تأسيس شركة لتعبئة الغاز المنزلي في الشمال المحرر أصبحت متوفرة أكثر من السابق لكن الأسعار مرتفعة فقد وصلت لسعر 11 دولار للواحدة مما يجعلها حلما للكثير من الناس وكذلك مادة المازوت والذي أثر ارتفاع سعرها على أسعار جميع المواد في السوق ففي هذه السنة أسعار الخضار مثلا مرتفعة جدا بالقياس مع السنوات السابقة وذلك بسبب تكاليف النقل الباهظة وهنا الحق يقال أن سعر هذه المادة مرتبط بأسعار الدولار التي ترتفع يومياً. لا يقف الأمر عند الخضار والحاجات الأساسية فأسعار الكهرباء مرتفعة لأنها تعتمد على مولدات الديزل فالمواطن السوري في #إدلب لا يرى الكهرباء الا ساعتين في اليوم مساء مقابل مبلغ 4500 ل.س  للأمبير الواحد مما حدا بالكثيرين للاعتماد على الطاقة الشمسية نوعاً ما. والتي قد تلبي حاجة المنازل ولكنها لا تلبي حاجة أصحاب المصالح الضخمة كالورشات والمصانع والكسارات وغيرها والتي تحتاج كميات كبيرة من الكهرباء لا يمكن تأمينها إلا عن طريق مولدات الديزل الأمر الذي جعل الكثيرين يوقفون أعمالهم للأسف”.

 أبو عمار من الناس الذين أوقفوا عملهم بسبب غلاء الديزل الفاحش وهو الذي يملك معملا لانتاج الشيبس يقول : “بعد الارتفاع الذي حصل لمادة المازوت لم استطع إكمال عملي واضطررت لإيقاف المعمل بسبب التكاليف التي تصل الى أكثر من أربعة آلاف دولار شهريا فقط لمولدات الديزل لتأمين كهرباء المعمل فقط عدا مصاريف النقل الأمر الذي جعلني أوقف العمل حاليا ” . كما حدثنا عبد الرحمن -صاحب مولدة اشتراك في مدينة إدلب – عن مشكلة أخرى وهي أنك مضطر دائما لاستخدام المازوت الذي يطرح في السوق من قبل الشركة كبديل عن المستورد بشكل مؤقت لعدم توفر الأخير وغالبا ما يكون من النوع السيء الأمر الذي يضر بالمحرك بشكل كبير ولكن نحن مضطرون لشرائه والعمل لأننا ملتزمون بعمل مع الناس ولا نستطيع إيقاف العمل مهما كانت الظروف ومهما كان النوع ” وعند سؤالنا عن الانخفاض أجاب عبد الرحمن :” انخفض سعر مادة البنزين مقدار 150 ليرة لكن الديزل حافظ على سعره ليصل سعر البنزين حالياً إلى 600 ليرة أي ما يعادل 45 سنتا للتر الواحد وهذا يعد انخفاضاً خجولاً قياساً بالأسعار العالمية للنفط”.