صورة تعبيرية

سيرين مصطفى (عيني عينك) – تجلس شهد ذات العشر أعوام بالقرب من هاتف أمها، ومعها قلم ودفتر وكتاب رياضيات، متابعة باهتمام مقطع فيديو وصلها من معلمتها في المدرسة عبر مجموعة في تطبيق واتس أب. يتضمن الفيديو شرحاً لدرسٍ في الصف الخامس. أما رند فتقف على سطح منزلها على بعد 500 من منزل شهد، رافعة يدها الممسكة بالجوال، منتظرة استكمال تحميل الفيديو. في حين تتجاهل وليدة صوت أمها الذي يناديها لحضور الدرس، وتكمل اللعب مع الأطفال في ساحة الحي. في الحي المجاور تجلس المعلمة ريما في بيتها خلف شاشة اللابتوب، بدلاً من الهاتف الذي لم يعد يستجيب لكثرة الرسائل، كي تجيب على أسئلة الطلاب المتعلقة بالدرس الذي أرسلته لهم عبر النت.

تعليق عمل المنشآت التعليمية وآثاره

تلك مشاهد من تجربة التعليم عن بعد التي يعيشها الآن طلاب ومعلمون إدلب وريفها، و يستكملون بها العملية التعليمية عوضا عن التعليم في المدارس خوفا من الكورونا. بعد انتشار ذلك المرض في العديد من الدول، وبدء البعض منها بأخذ أساليب الحيطة، منها منع التجمعات. لجأت مديرية التربية الحرة في إدلب لإيقاف الدوام لفترة قصيرة، فأصدرت قراراً في 14 آذار/ مارس الفائت لتعليق الدوام في جميع المدارس الخاصة والعامة  والمعاهد التربوية ومراكز التعليم غير الرسمي في مديرية التربية والتعليم لمدة أسبوع بدأ من اليوم التالي من التاريخ المذكور، ثم تلى ذلك صدور قرارٍ آخر في 20 الشهر لتعليق الدوام لكن للطلاب فقط، ثم تم الإعلان عن بدء العمل بنظام التعليم. 

أوضحت مديرية التربية والتعليم الخطة المتبعة لنظام التعليم الجديد، وجميع الواجبات والمسؤوليات من خلال تعميم أوردته في 23 آذار، وجاء في نصه:”1.يبدأ العمل بنظام التعليم عن بعد، مع إيقاف دوام الطلاب والمعلمين في المدارس العامة والخاصة المعاهد والنقاط التعليمية ومراكز التعليم المسرع، واستمرار العمل بالمناوبات تحت إشراف الموجه ومدير المدرسة. 

2. يخفف دوام العاملين في دوائر المديرية ومجمعاتها التربوية؛ إلا ما تقتضيه الضرورة مثل تسجيل طلاب الشهادتين، والتواصل مع المنظمات، ومتابعة التعليم والتدريب عن بعد، واستقبال المعاملات الضرورية.

3. تنفذ الاجتماعات والتدريبات وحلقات التعلم عن بعد عن طريق سكايب أو غيره من التطبيقات المناسبة.

 4. يطبق نظام التعليم عن بعد وفق المحددات الآتية:

     أ_يضع كل من المعلم ومسؤول الحماية وأمين المكتبة خطة أسبوعية، بإشراف الموجه ومدير المدرسة والمعلم الأول، لما سيقوم بمشاركته مع الطلاب عن طريق الأهالي من مواد (صور، فيديو، تسجيلات صوتية، نصوص…). 

    ب_يصمم كل من المعلم ومسؤول الحماية وأمين المكتبة مواد وأنشطة وأوراق عمل لمشاركتها مع الطلاب عن طريق الأهالي عبر (واتساب)، وفقا للخطة الدرسية مع التركيز على المهارات الأساسية. 

   ت_ يقوم المعلم بمشاركة المواد التعليمية مع الأهل يوميا، ويصحح المواد التي تصله، ويجيب على استفسارات الطلاب، على غرف التواصل المخصصة لذلك.       

   ث_ الموجه ومدير المدرسة والمعلم الأول على تنفيذ الخطط الأسبوعية ويرفعون التقارير والتوثيقات اللازمة. 

5. تؤكد مديرية التربية والتعليم بإدلب ضرورة التقيد والالتزام بتعليمات مديرية الصحة للوقاية من الإصابة بفيروس كورونا المستجد. 

وجاء ذلك القرار من أجل إكمال الطلاب تعليمهم، دون أن يشكلوا التجمعات والازدحام في المنشآت التعليمية، التي من شأنها أن تسبب كارثة لو أن واحد من الحاضرين في المدرسة حامل للفيروس، الأمر الذي يمكن أن ينقل العدوى للمئات بالأخص أن انتقال الفيروس بحسب ما ورد عنه في التقارير الطبية سريع الانتقال عبر المصافحة والعطاس.

ليكون من أول معوقات التعليم عن بعد ضعف الانترنيت في بعض المناطق، وعدم امتلاك البعض لهواتف بنوعية جيدة، بسبب الإمكانيات المادية الضعيفة، والتي كانت عائقا أمام بعض الأشخاص لتأمين انترنت قوي في بيوتهم. يحكي سامر الراشد ( صاحب  صالة نت في مخيم عبطين بدير حسان من ريف إدلب الشمالي): “بعد توقف المدارس كثير من العائلات سعت لتأمين انترنيت قوي ومفتوح، لكن هناك مشكلة، فالأمر مكلف نوعا ما، للحاجة إلى راوتر وكبل واشتراك شهري، بالأخص أن بعض الصالات ترفض أن تعير الراوتر بشكل مجاني للعائلة، خوفا من أن يسببو له عطل أو لا يعيدوه، كما فعل الكثير من الناس. مما يدفع تلك العائلات لشراء واحد وتكلفته حاليا تتجاوز ال15 ألف ل.س، بجانب الحاجة لوجد ناشر وكبل  مع اشتراك شهري تتفاوت قيمته من صالة إلى أخرى”. 

وتضيف وليدة النعيم (أم لستة أولاد ونازحة في مدينة قاح بريف إدلب الشمالي): “أنا وزوجي لدينا هاتف واحد فقط، في حين أن أربعة من أولادنا طلاب في المدارس، وكلهم تصلهم دروس عبر الانترنيت، فيبقى الهاتف معهم طوال النهار، أحيانا يتشاجرون فيما بينهم كي يأخذوه ويتابعوا دروسهم، أما أنا لا أعلم ماذا أفعل فليس لدي قدرة مادية على شراء جوال آخر”.

وعلق  عامر ( مدرس فيزياء نازح في محافظة إدلب): “أنا مدرس ومسؤول عن ست صفوف، وفي نفس الوقت ٣ من أولادي طلاب، فهاتفي لا يهدأ لا ليل ولا نهار، ولو أردت شراء هاتف آخر جيد، احتاج 100 دولار على أقل تقدير، وراتبي 150 دولار، كما أن سكني بالإيجار ولدي عائلة والتزامات، فلا أستطيع”. 

وعن المعوقات التي اعترضت الطلاب والأهالي، تقول سلسبيل (صف ثامن في مدينة بنش): “التعليم عن بعد أفضل من الانقطاع عنه، لكن في الصف كنا نتعلم سوية وبشكل مباشر، مما يمكننا لأن نتفاعل مع المعلم ونستفيد من خبرات وعثرات بعضنا البعض، أما الآن هناك نوع من الجمود في الدروس عبر الفيديوهات”.

ويكمل مصطفى(طالب صف حادي عشر علمي):”لا يوجد مشاكل من ناحية الدروس النظرية، لكن الهم عند الدروس العملية كالفيزياء والكيمياء والرياضيات وغيرها، ليس أنا فقط من يشكو من هذا الشيء، بل كل زملائي”.

وتشكو رمزية السعد(ذات ال45عاما أم ل8 أولاد، 5 منهم طلاب): “أمر ليس بسهل أنا كنت أعطي ابني الذي في الصف الرابع الجوال، كي يلعب به وككافأة عندما يقوم بشيء إيجابي، و أولادي الذين أكبر منه سنا يستعملون الهاتف كي يقضون وقت فراغهم، كيف الآن لأداة التسلية والتي هي الجوال أن تتحول للأداة الوحيدة التي يحضرون بها دروسهم”. 

أما روعة (أم لطفلين كلاهما في الصف السادس): “ابني وابنتي يدعيان أنه لديهم دروس يريدان أن يتابعونها، فأعطيهم الجوال. إلا أنهم يقضون الوقت بتحميل الألعاب من متجر play، ويلعبون بها، أحيانا يكون لدي وقت لمراقبتهم يدرسون، أحيانا لا يتسع لي المجال”. 

بجانب مجموعة من الصعوبات تشكلت أمام المعلمين خلال تلك التجربة، تروي مادلين العمر (معلمة حلقة أولى): “في السابق كنا نشرح المعلومات على اللوح بشكل مباشر أمام الطلاب، مما يمكننا من التحقق من فهمهم بسهولة في نفس الدرس، ونشجع الطلاب الخجولين على المشاركة معنا، أما الآن لا نعلم إذا ما كان كل الطلاب يشاهدون الفيديو أم لا، أو أن هم من يقومون بحل الوظائف والاختبارات أم أهاليهم وأخوتهم الأكبر سنا، بكل الأحوال نحن نحاول قدر الإمكان أن نقوم بواجبنا على أكمل وجه”. 

يضيف أحمد العيساوي (مدرس لغة إنجليزية):”عندما كنا نعطي دروسا في المدرسة، إذا كان لأحد سؤال يسأل خلال دوام المدرسة فقط، أما الآن بعد أن أقوم بإرسال الفيديو المتضمن للدرس، جميع الطلاب يتكلمون معي على الخاص وكل واحدة يجب أن أشرح لها على الهاتف، منذ كم يوم بقيت أجيب على أسئلتهم عن طريق الواتس أب من الساعة 10 صباحا وحتى الـ 8 مساء، لم أعد قادراً على فتح عيوني من شدة الألم الذي أصابها نتيجة المكوث طويلا أمام الهاتف”. 

في حين اقترحت الممرضة فاتن معراتي بعض النصائح للطلاب خلال تجربة التعليم عن بعد: “يفضل أن يتم حضور الدروس عن طريق لابتوب أو هاتف بشاشة كبيرة إن كان هناك إمكانية، ويفضل أن يتم إبعاد الهاتف مسافة عن الطالب أثناء الحضور، وأن لا يبقى طوال النهار يستخدم الجوال، بالإضافة لضرورة تحركة خلال النهار، كي يمرن نفسه ولا يعتاد على الخمول، وعلى كل أم أن تضع برنامجاً لأولادها بحيث يحضرون الدروس دون أن يقضوا ساعات طويلة على الجوال”.