This picture taken on February 22, 2019 shows a convoy of trucks transporting people who fled the Islamic State (IS) group's last holdout of Baghouz in Syria's northern Deir Ezzor province. (Bulent Kilic/AFP/Getty Images)

إيمان ديراني (عيني عينك) _ نقف عند محطة الوقود في منتصف  أوتستراد إدلب – باب الهوى الذي يختصر بين جنبيه المشهد السوري بكامله، المشهد الذي بات ثماني الأبعاد، يبدأ بعده الأول في بداية الطريق مع القصف العنيف لسلاح الجو التابع للنظام السوري مدعوماً من روسيا والذي أودى بحياة ما لا يقل عن 298 ضحية.

900 ألف نازح منذ بداية يناير/كانون الثاني 2020 في شمال غرب #سوريا، بحسب إحصائية قدمتها مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان،  في (18 فبراير/شباط 2020) بالإضافة لضرب المنشآت الحيوية في تلك المناطق من مدارس ومشافٍ وأفران ومراكز الدفاع المدني وسيارات الإسعاف، ولعل مشهد الأطفال يصرخون من تحت الأنقاض من أشد المشاهد مأساوية، ثم يمشي الطريق ليصور بعدَه التاني سيارات ضاقت بما فيها من أمتعة، تجعجع من ثقلها ويلتف الأطفال والنساء بلحف سميكة في زاوية منها كمتاع من الأمتعة، تلعب بهم الرياح الباردة، او سيارات كما البرق الذي يخطف الأبصار متجة إلى الى باب الهوى،  نسمع زامورها من بعيد تحمل بداخلها أعداداً من الجرحى، أو سيارات تشيع ضحايا القصف تتهدهد في مشيتها في مشهد مهيب، ويمر من جانب الطريق شاب يحمل على دراجته خاروفيه الذين نجيا من القصف، لقد اركبهما أمامه وبدا كانه يحتضنهما  بين ذراعيه، كان البرد شديداً جداً وابنتي الصغيرة تقف بجانبي ننتظر سيارة تقلنا بعد. تعطل سيارتنا، أبت الصغيرة في تلك اللحظة إلا أن ترى هذا المشهد من جانبه الإيجابي :”أمي  أكيد غنماتو مدفينو بصوفاتهن الناعمين لهيك حاضنهن” لكننا نحن الكبار لم نرى إلا قهر الفقر والحرمان بين تقاسيم وجهه الملتف بلحفة سوداء أقل سواداً من حاله.

أما على الطرف الآخر، طريق الإياب، فكانت السيارات المسرعة تشق طريقها عائدة من حيث جاءت ليلاً ليتسنى لأصحابها رحلة مأجورة أخرى قبل اشتداد القصف “فمصائب قوم عند قوم فوائد”، بعد أن أفرغت حمولتها على قارعة الطريق في بُعدٍ ثالث  للمشهد، حيث النازحون مع أمتعتهم في العراء ينتظرون خيمة تظلهم من الأمطار وتحميهم من شبح الصقيع الذي قتل 10 أطفال في المخيمات المؤقتة، كما أوردت منظمة “إنقاذ الطفل العالمية” أو في أحسن الاحوال خيام تطفو على الوحل. كتب أحد الناشطين”أكثر من مليون طفل وطفلة في إدلب يواجهون نفس مصير بائعة الكبريت. أنقذوهم”.

على يمين ويسار الطريق مدن تنتظر دورها في مصيبة النزوح، تهيم عائلاتها على وجهها، وتحسبهم سكارى، وما هم بسكارى، يتلاطمون كما الموج الهائج، لا يهتدون السبيل، هل يبقون في بلدتهم، أم هل ينزحون، وإلى أين؟

إنه بُعدٌ رابع للمشهد، بلدات باتت مهددة بالقصف، وهناك في بيت قريب ام تقف حائرة تتلفت في زوايا البيت وتتمتم: “ماذا ساحمل ما هو الأهم؟ أين أغراضي الهامة؟” لا أحد يجيبها فهي لم تطلب الإجابة، لكنّها وجدت الأهم أخيراً. إنها محفظة ابنها الشهيد فتحملها بين ذراعيها، وتشتم عبق ابنها وتذرف الدموع :”نعم هذه الأهم”.

لقد تهجرت منذ ثلاث سنوات قسرياً من غوطة دمشق وهي اليوم تتجهز لهجرة أخرى أشد غضاضة من الأولى، أو كما قالت :”لقد تفتحت جراحنا من جديد، ففي الهجرة الأولى عرفنا وجهتنا أنها إلى إدلب لكن اليوم لا إدلب نهاجر إليها، ولا نعلم الوجهة، ولا نعرف ما هو المصير المنتظر”  تنتظر أم محمد تأمين سيارة  لتحميل أغراضها لتودعهم عند قريبة لها في مدينة سرمدا في الريف الشمالي لإدلب، لكنها ترفض النزوح اليوم كالكثير من السكان فلعل الغد يحمل معه بشرى، لكن من اين تلك البشرى؟!

إنه البُعد الخامس للمشهد

 نتأمل في طريق الإياب (باتجاه الجنوب) بأرتال المعدات الحربية التركية المارة بكثرة فيه، والمترافقة  بتهديدات “أردوغان” رئيس تركيا للنظام، ومفاوضاته مع  روسيا، يزداد  بها التفاؤل في عيون عابري الأوتستراد حيث يبرق أمام أعينهم أمل بسيط  سرعان ما يصبح كـ”أمل إبليس بالجنة ” بعد خبر محاصرة النقاط التركية وتراجع االثوار وسقوط المدن الواحدة تلو الأخرة بشكل سريع فيبدأ البعد السادس للمشهد.

يقف بجانب محطة الوقود شابانٍ يتصديان للتحليل السياسي والعسكري، في مشهد بات مألوفاً في الشمال، يدلي الأول بأدلته ويرى أن أسباب سقوط المدن هو القصف الجوي الروسي الذي اتبع سياسة الارض المحروقة، وانّى للفصائل الصمود أمام اعتى الجيوش، لكن قسماً كبيرااًمن سكان الشمال  لهم رأي آخر تبناه الشاب “محمد”، فعدم تدشين خطوط الدفاع الأولى، و المشاركات الخجولة من الفصائل وعلى رأسها هيئة تحرير الشام، التي تملك السلاح الثقيل والأكثر عدداً وعتاداً هو من اهم أسباب السقوط، أضف إلى ذلك الاتفاقات التي أبرمت من أجل تسليم المناطق على طرفي طريقي M4  – M5  الدوليين، وبات تنفيذها على عاتق هيئة تحرير الشام الفصيل الأكبر المتنفذ في الشمال، ويرى الشاب “محمد عبد الله ” المهجر من غوطة دمشق وعمله العسكري في فيلق الشام :” أن تسليم  المناطق بات قراراً خارجياً وما المعارك التي تدعمها #تركيا لاسترجاع المناطق ثم تسليمها بنفس اليوم بعد محادثات بين الجانب التركي والجانب الروسي إلا مسرحية أمام الرأي العام ودليل واضح على ارتهان القرار”، يتابع الشاب “محمد : “هذه العمليات العسكرية لا تتجاوز كونها بريداً لتوصيل الرسائل السياسية حادة اللهجة بين تركيا وروسيا، ولا قيمة  لدماء الشباب السوري التي تسفح في تلك المعارك”

وبالحديث عن التجاذبات السياسية المؤثرة على المشهد السوري نصل إلى البعد السابع للمشهد ولكن هذا البعد يبعد قليلاً عن أوتستراد إدلب باب الهوى، حيث تسرب مقطع فيديو وثق حادثاً وقع مؤخراً على طريق M4 شمال شرقي سوريا، وتظهر فيه ناقلة جند أمريكية ثقيلة، وهي تمنع عربة روسية مدرعة من طراز “تيغر” من تجاوزها على جانب الطريق الإسفلتي، وتجبرها على التوقف، وينتهي التسجيل عند ذلك، مشهد مثّل  السياسة الأمريكية والسياسة الروسية في سوريا، ورسالة واضحة لروسيا أن إطلاق يد #روسيا في سوريا لا يكون إلا بالحد الذي تراه أمريكا مناسباً لمصالحها، فلا يمكن لروسيا تجاوز أمريكا فهي من تستطيع إيقافها، فليعلم الجميع، وعلى تركيا استصدار موافقة أمريكية من أجل أي خطوة عسكرية تريد أن تخطوها في إدلب، وحتى يتم لها ذلك  نرى البعد الثامن للمشهد، شباب يحملون بين ذراعيهم علم الثورة الممزق يلفون به بنادقهم يتسابقون عبر طريق الإياب، في محاولة يائسة لحماية  مناطقهم من السقوط فقط ليعذروا أنفسهم  ويرفعون عنها إثم التخاذل، وربما لن يعبروا طريق الذهاب  باتجاه باب الهوى عائدين أبداً.