سيرين مصطفى (عيني عينك) – تحاول شمسة، المرأة الأربعينية، أن تكمل تنظيف الأطباق في المطبخ وسط صراخ زوجها القادم من الغرفة القريبة. متجاهلة عباراته اللاذعة المندفعة بسرعة، لدرجة  أن الكلمات تكاد تلتصق ببعضها البعض، إلا أن قسوة الشتائم على مرأى ومسمع أولادهما في البيت، جعلت الدموع تنهمر من عينيها على هذه الحال التي وصلا إليها في ظل الحرب وما خلفته من ظروف قاسية، مغلقة جميع أبواب المحبة بين هذين الزوجين، ومفرغة الساحة بالكامل  للخلافات على كافة الأسباب سواء المهمة منها أو البسيطة.

مشكلة العنف ضد المرأة موجودة منذ القديم وهي واحدة من المشاكل العمومية  الكبرى وأحد انتهاكات حقوق الإنسان. ومن أنواع ذلك العنف ما تتلقاه الأنثى من زوجها من ضرب وسوء في المعاملة وغيره لأسباب تتنوع من حالة إلى أخرى.  وبحسب تقرير حيال هذا الموضوع تم نشره على موقع منظمة الصحة العالمية في 29 تشرين الثاني/نوفمبر 2017 ، يفيد في المتوسط بأنّ نسبة 30% من النساء المرتبطات بعلاقة مع شريك بأنهن يتعرضن لشكل معين من أشكال العنف الجسدي أو الجنسي على يد شركائهن في حياتهن في جميع انحاء العالم، وعلى الصعيد العالمي فإنّ نسبةً تصل إلى 38% من جرائم القتل التي تستهدف النساء يرتكبها شركاء حميمون.

تزداد فيه هذه الحالات بشكلٍ واضح خلال الحروب والأزمات لما ينتج عنها من عقبات تتداخل مع مختلف نواحي  حياة الناس، مؤثرة بها سلباً. وذلك ما حصل مع بعض النساء السوريات في ظل الحرب بطقوسها المتنوعة من قتل وتشريد مع دمار وإصابات جسدية ونفسية وغيرها من الظروف السيئة التي تتشكل في مناخها.

المعنفات السوريات يروين قصصهن

عيني عينك التقت ببعض المعنفات، اللواتي يعشن الآن في مناطق مختلفة من الشمال السوري، تروي أم جابر (35) عاماً من ريف إدلب الجنوبي: “قبل الحرب كان زوجي يعمل في #لبنان يسافر إلى هناك لمدة شهر، ويعود بعد إنقضاء عمله بإجازة لمدة أسبوع، وضعنا المادي كان ميسوراً فلا شيء ينقصنا، ولا دين علينا، حتى بدأت الحرب وتبعتها مشاكل كثيرة تشمل صعوبة مغادرة البلاد بجانب عدم سهولة العودة إليها، كما تم إعتقال بعض الناس على طريق سفرهم، واختفت أخبارهم نهائيا، فكانت النتيجة أن جلس زوجي في البيت “بوجهي” دون أن يجد عملاً بديلاً  في منطقتنا، فتراكمت علينا الديون وصعب الحال لينقلب معي 180 درجة‘ إذ بدأ يتهجم عليي بالسباب شاملاً عائلتي بالشتائم ووصل به الأمر حد العنف الجسدي. محال أن يمر يوم من دون مشاكل أو شجارات، وقعت بحيرة ماذا أفعل؟ هل أحتمل هذا الوضع و أضع على جرحي ملحاً وأسكت أم أغادر بيتي تاركة أولادي الثلاثة واتطلق لأصبح (سيرة على ألسنة الناس)؟”.

تسرد نجلاء (30 )عاما  من قرية بابولين قصتها أيضاً: ” تزوجت وعمري 15 عاماً من ضابط كان يناوب في #حلب حيث كان لديه شقة مفروشة، وراتب جيد، كنت أعيش كأميرة، بيتي كامل من كل شيء، ليس لدي شاغل سوى الطبخ والترتيب، حتى جار علي الزمن وانشق زوجي عن النظام السوري في السنة الثانية لقيام الثورة، فعدنا لنعيش مع أهله في القرية بنفس البيت لإنه لم يعد له القدرة على أن (يفتح بيت) بمفرده، وهنا بدأت المشاكل بيني وبين أهله فكان يقف بصفهم لأنه مضطر، والآن حياتنا تتلخص بثلاث أشياء، أترك البيت  ثم يرسل مهدداً إياي بالطلاق فيقوم أهلي بإعادتي إليه، حياتي لم تعد تطاق” 

وتحكي أم محمد( 45) عاما نازحة من حلفايا ومقيمة في المخيمات بريف إدلب الشمالي :”والله هذه الحرب كشفت الرجال على حقيقتهم، ماذنبنا إذا كان الوضع سيء، ومصادر كسب المال قليلة، كلنا في المصاب سواء، نحن مثلهم لدينا مسؤوليات وواجبات، ونخاف من القصف ونخشى على أحبابنا منه، كلنا نعاني سواء كنا أطفال أو رجال أو نساء أو شيوخ حتى الحيوانات لم تسلم من بطش الحرب، لذلك لا يمكن إعفائهم من المسؤولية عندما يستهدفوننا بالعنف بحجة الغضب من الوضع ونفاذ القدرة على تحمله، نحن بشر من لحم ودماء ومشاعر، ولسنا “مفشات”.

في الوقت الذي  يؤدي فيه العنف ضد المرأة في البيت إلى آثار سلبية نفسية وجسدية تقع عليها وعلى أطفالها، وذلك ما أثبته حديث الأخصائي النفسي صافي بخصو:” ربما تتعرض لكدمات و كسور، أوشلل في بعض الحالات إن كان اليد الضاربة لا ترحم. أو اضطرابات غذائية وفقدان للشهية، كذلك اضطرابات في النوم ومعاناة بسبب الكوابيس وعدم الراحة. بالنسبة للآثار النفسية، من الممكن أن تصاب المرأة بأحد الاضطرابات النفسية أو مشكلات في الصحة النفسية التالية مثل : اضطراب الكرب ما بعد الصدمة، أواكتئاب وغيره من الأرق، بالإضافة لسلبيات أخرى مثل الخوف والتوتر المفرط، مع العصبية المفرطة ، وإحساس دائم بعدم الأمان ، قد يرافقهم فقدان الثقة بالنفس. وشعورها بالإحباط والمهانة والذل، ربما ينتهي بها المطاف بـ العزلة والانسحاب الاجتماعي بعيدا عن الآخرين”.

 وعن الآثار التي تصيب الطفل، ذكر ال بخصو:”أبرزها الشعور الزائد بالخوف والبكاء الشديد، و الخوف من التعبير عن مشاعرهم خاصة أمام الأب، كذلك عدم الاحساس بالأمان حتى وهم بين والديهم، مع الشعور بالخجل أمام الآخرين، كذلك العزلة والبعد عن الأصدقاء، وقد يخلق العنف المتكرر أمام عيونهم سلوك العدوانية داخلهم تجاه الآخرين، وأحيانا يحصل معهم  التبول اللاإرادي ليلا بشكل متقطع أو مستمر”. وأشار الأخصائي صافي بخصو:”إلى أن العنف وما يقود إليه من سلبيات يؤدي إلى التفكك الأسري والطلاق، لفقد الأسرة جو الحب والاطمئنان واضطراب العلاقات بين الأهالي، ممّا يولد تأزماً كبيراً في بناء الحياة القائم على التعاون المشترك بين الرجل والمرأة، وعدم القدرة على تنظيم الأسرة وتنشئتها بطرقٍ سليمة”.

في حين تطرح قضية العنف ضد المرأة، و تناقش الحلول إما عن طريق وسائل الإعلام أو الندوات،  كما تسعى بعض المنظمات في الشمال السوري لدعم المرأة عن طريق تقديم الدورات التدريبية وجلسات التوعية بجانب  توفير فرص عمل مثل نقطة بداية، و منظمة إحسان و غيرهم من المنظمات الإنسانية. عيني عينك التقت ب نجوى أبو المناديل مديرة مركز إبداع المرأة في #قباسين ريف حلب الشمالي، وتقول أبو المناديل:” نحن كمركز حماية المرأة، نتعرف على النساء المعنفات من خلال قسم الدعم النفسي وغرفة الحالة (غرفة كوني مطمئنة)، المستفيدة تذهب باختيارها إلى الغرفة وتتحدث عن العنف الذي تعرضت له أسبابه وآثاره، يعني قصتها بشكل عام، ثم تتابع امورها مديرة الحالة، وطبعا كل ما يحكي داخل هذه الغرفة هو سري. إلى جانب ذلك احتمال أن تحكي لمديرة المركز كي تقدم لها المساعدة. وأضافت :”نكتشف حالات العنف إما عن طريق الغرفة كما أسلفت، أو عن طريق جلسات التوعية التي يقوم بها  منشطات الدعم ضمن الفرق الجوالة للمركز، والتي تستهدف أماكن النازحين ومراكز الإيواء. أحياناً ما يكون المستهدفون هم من يروي قصصهم للاطلاع على مختلف أنواع المشاكل، طالبين منهم مساعدات سواء مادية أو إغاثية ………الخ. وأشارت:”خدمات المركز بشكل عام لدينا مسار إحالة، خارطة خدمات ونقدم خدمات صحية بالتعاون مع المراكز الصحية والطبية ، بالإضافة إلى خدمات نقدية (دعم مباشر) حسب معايير الضعف للناجية، أو رفدها بالتعليم والدورات التدريبية لتمكينها ثقافيا ومهنيا”.

ناهيك عن أن المرأة تستطيع رفع دعوى على زوجها في المحاكم الشرعية الموجودة في الشمال السوري، في حال  تسبب لها زوجها بأذية واضحة أو إعاقة أو كسر شريطة أن تكون الدعوة مثبتة بتقرير طبي يثبت الحالة، وذلك ما ذكره لنا أبو سعيد (أحد العاملين في المحاكم الشرعية)، ويقول :”بإمكانها رفع عليه دعوى بأقرب منطقة على سكن المدعى عليه، وحسب نظر القاضي إما إحضار فوري  أي يرسلو دورية لجلبه أو استدعاء يتم إرسال كتاب استدعاء للمحكمة من أجل حضور جلسة قضائية يتم تحديد تاريخها ويومها مع رقم الدعوى واسم المدعي، ثم ينظر القاضي في القضية، التي ربما تحتاج لأكثر من جلسة حتى يتم اتخاذ الحكم من أجلها “.

وروى لنا أبو سعيد قصة أحد النساء “المشتكيات”:”ذات مرة اشتكت إمرأة على زوجها بعد أن ضربها متسببا بكسر ألحق بيدها، فانسجن، بعدها صار الرجل يرسل لها أقاربه ليقنعوها بإسقاط حقها، واعدا إياها أنه لن يزعجها مرة ثانية، ولم يخرج إلا بعد أن اسقطت حقها، كما تعهد بأن لا يضربها ضرباً مبرحاً، أو يضربها انتقاما لنفسه”. كما نوه أبو محمد إلى نقطة مهمة، وهي أن أحيانا سكوت النساء على العنف الممارس ضدهن، هو سبب بزيادته، بالأخص أن النسبة الأكبر من النساء لا يجرؤن على رفع دعوى بحق أزواجهن خوفا من الطلاق ومن نقد الناس عليهن بأنهن أوصلن أمور البيت للمحاكم.