منيرة بالوش (عيني عينك) _ يطفئ “مجد” شمعاته الثلاث التي وضعت فوق قالب الحلوى المزين باسمه وعمره، احتفالاً بعيد ميلاده الثالث، وسط تصفيق قوي من أمه واختيه التوأم “حلا وعلا” اللواتي يكبرنه بعامين، ويشاركهم الاحتفال- عن بعد – والدهم في ألمانيا، الذي لم يرى مجد منذ ولادته إلا عبر الإنترنت وعن طريق الهاتف الجوال الذي بات الملتقى الوحيد الذي يلم شمل عائلتهم.

 لا يعرف مجد عن والده سوى صوته وصورته على الجوال، وبقايا أحاديث أمه عنه، يحادثهم عبر “الواتس آب ” يومياً ، وتنتهي أغلب المحادثات بالدموع والقبلات وتمنيات اللقاء.


أسرة مجد ليست الوحيدة في سوريا التي تشتت شملها وفرقتها المسافات، وباتت تعد الأيام والشهور والسنين على أمل اللقاء وجمع شتات الأسرة مرة أخرى بل هناك مئات الآلاف من العوائل التي تصدعت بفعل الهجرة واللجوء.

لم تلفظ الحرب الدائرة في سورية منذ تسع سنوات أبنائها خارج البلد فحسب بل ساهمت في تشظي الكثير من الأسر والعائلات وسببت في تمزقها ليصبح الزوج أو الأب في بلد والأم والأطفال في بلد آخر.
تحدثت أرقام في الأمم المتحدة عن هجرة حوالي ٦ ملايين شخص من سوريا إلى دول اللجوء في #تركيا وأوروبا وكندا وغيرها من الدول التي فتحت أبواب الهجرة لهم، ثم أوصدتها سريعاً، ليصبح أفراد الأسرة الواحدة متفرقين في عدة بلدان، لا خيار أمامهم سوى الانتظار والانتظار فقط.

خرج والد مجد منذ أكثر من ثلاث سنوات ضمن حملات التهجير الممنهجة التي اتبعها النظام، إلى الشمال السوري، تاركاً وراءه زوجته الحامل” لمى” وابنتيه في مدينة “برزة ” بدمشق على أمل اللحاق به بعد ولادتها، أخبرتنا أنها كانت ترفض فكرة الهجرة الى محافظة إدلب ، كونها حامل، ولا تعرف بالضبط أين وجهتهم، فالمصير المجهول الذي كان بانتظار المهجرين حينها جعلها تتردد في الذهاب مع زوجها.


لم يمكث أبو مجد في #إدلب كثيراً، اذا لا مستقبل آمن فيها كما قالت” لمى ” بل ذهب إلى تركيا عن طريق أحد المهربين، ليستقر هناك منذ ذلك الوقت.
تعاني” لمى ” ككل الزوجات الوحيدات من ألم البعد عن زوجها، ومن تحمل المسؤولية لوحدها في تربية أولادها الثلاثة، وتحمل أعباء الحياة كما أخبرتنا :” الحياة صعبة جداً بلا معيل، وزوج يحمل عني كتف ويساندني في أصعب أوقات حياتي”.
ثم أكملت أن زوجها يرسل لها مبلغاً شهرياً، تدفعه ثمناً لأجرة المنزل وبعض الاحتياجات ، لكن مع موجه الغلاء وصعوبة الحياة المعيشة لم يعد يكفي مطلقاً وهي الآن تبحث عن عمل يردف عليها وعلى أطفالها قليلاً.

فرض التأشيرة على السوريين في عدة بلاد جعل أمر لم الشمل صعباً جداً، ومكلفاً بالنسبة لكثيرين بعدما أصبح فعل الهجرة ضرورة لا خياراً، و استهدف بدرجة الأولى الرجال والشباب إما للفرار من مناطق النزاع المستهدفة بالقصف، والموت المحيط بها من كل مكان أو للتخلص من الخدمة العسكرية في جيش النظام لا سيما بعد رفع سنّ التّجنيد الاحتياطي الإجباري ، أو
هرباً من الأوضاع الاقتصادية السيئة في كل المناطق، لتصبح الهجرة والخروج من البلد حلماً يبذل فيه السوريين الغالي والنفيس في سبيل الحصول على الجنسيّة والاستقرار ولاسيما في الدول الأوروبية.

دفعت هذه الأسباب وغيرها الكثير من الرجال للهجرة وترك أسرهم ونساءهم على أمل اللّحاق بهم بعد إجراءات لمِّ شمل الذي قد يطول لسنوات عدة، غير أن “ميسم ٢٥ عاماً” لم تفضل هدر أجمل أيام عمرها كما وصفتها في الانتظار واللحاق بخطيبها الذي سافر منذ سبع سنوات، بل فظلت التخلي عنه، وإكمال حياتها ودراستها في مدينة حمص.

فيما لم تيأس “هنادي العبدالله” من فرصة اللقاء بزوجها بعد أربع سنوات من البعد قضاها في لبنان بينما بقيت هي في مدينة إدلب برفقة أطفالها الأربعة، ومع تعذر السبيل في السفر لكليهما قررا الهجرة من البلدين واللقاء في اليونان، تقول هنادي لموقع عيني عينك أنها تمكنت من دخول تركيا عن طريق أحد المهربين بعد معاناة شاقة ومحاولات عدة ودفع مبالغ عالية لها ولأطفالها ومن ثم المجازفة من جديد بالسفر عن طريق البحر أيضا إلى اليونان للقاء زوجها الذي كان بانتظارهم، غير أن الأيام التي عاشتها في رحلتها الطويلة لن تنسى من ذاكرتها، خوفها على أطفالها، وتحمل مشقة السفر والليالي الباردة كل ذلك للم شمل عائلتها وجمع أطفالها بأبيهم.

وسواء خاضت المرأة رحلة الموت وحدها، لتصل بلاد اللجوء بعد تكبدها عناء لَمّ الشمل للمحافظة على أسرتها ولملمة شعثها من جديد، أم بقيت في بلادها تصارع الوقت والانتظار، والظروف السيئة المحيطة بها كامرأة وحيدة بلا سند أو معيل، فإنها بكلا الحالتين تحملت ما لا تطيق وكابرت وصابرت على ألمها لتبقى عائلتها متماسكة في ظل أقسى ظروف منذ تسع سنوات وحتى اليوم.