صورة تعبيرية

منيرة بالوش (عيني عينك) – في كل صباح يتأمل “عمار” (18 عاماً) كل صباح صورة والده، والذي بات يشبهه كثيراً كما تقول أمه، وهو على هذه الحال منذ ثمان سنوات. كان في العاشرة من عمره عندما اعتقل والده في 2012 من حي الوعر، في مدينة حمص، على أحد حواجز المدينة.


لم يكن أبو عمار ممن انخرط في المظاهرات أو حمل سلاحاً كما قالت زوجته، بل كان يعمل في محل ألبسة بعيدٍ عن الحي، ليتم اعتقاله دون أي تهمة واضحة واقتياده إلى المجهول.


“هداك يوم وهاد يوم ” تقول زوجة أبو عمار وهي تحبس دمعتها، كان يوم اعتقاله حدثاً فاصلاً في حياة أسرتي كلها، وجدت نفسي وحيدة ضعيفة، مسؤولة عن أربعة أطفال أكبرهم عمره عشر سنوات، في مدينة محاصرة ذقنا فيها ويلات الحرب والحصار والجوع والخوف، انتهت أخيراً بالتهجير إلى محافظة إدلب.

في تقرير للشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري قالت فيه أنَّ النظام السوري استخدم الإخفاء القسري كسلاح حرب استراتيجي مُشيرة إلى وجود ما لا يقل عن 98 ألف مختفٍ قسرياً في سوريا منذ آذار 2011.

غالبية المعتقلين هم من الرجال والشباب الذين خلفوا ورائهم عشرات الآلاف من النساء اللواتي يعانين ألم الفقد ويتحملن مسؤولية مضاعفة بغياب المعيل، ولاسيما في حال وجود أطفال.

لم تترك أم عمار وسيلة للبحث عن زوجها في السجون والمعتقلات إلا واتبعتها، ولكن لا جدوى من ذلك كما قالت لنا.
تعرضت خلال بحثها لابتزاز الضباط في أفرع الأمن والتهديد بحبسها كون زوجها من الإرهابيين، ناهيك عن التحرش اللفظي والجسدي إضافة للاستغلال المادي، ما جعلها تتوقف عن البحث وتسلم أمرها لله.

تقول أنها باعت مصاغها الذهبي والكثير من عفش بيتها في سبيل الحصول على معلومة واحدة عن زوجها، هل هو على قيد الحياة أم أنه قتل أثناء التعذيب؟ ولكن كانت كلها عمليات نصب واحتيال من قبل الشبيحة وتجار الدم كما وصفتهم.

لكلّ هذه الأسباب توقفت عن البحث عنه منذ سنوات واكتفت بمتابعة أخبار المعتقلين على صفحات التواصل الاجتماعي، وتقفي أخبار السجناء المفرج عنهم علّها تسمع خبراً عن زوجها.

تقول أنها ربت أولادها الأربعة، وكانت لهم بمثابة الأب والأم، تهجرت مع أهلها وأهل زوجها الى الشمال خوفاً على أولادها من الاعتقال أو الموت، فهي لم تعد تقوى على الصدمات مرة أخرى.


ثمان سنوات مضت دون أن تعرف أم عمار شيئاً عن مصير زوجها، تعيش تارة على أمل أن يكون حياً ويخرج ليرى أولاده وقد أصبحوا شباباً بعمر الزهور، وتارة ينقبض قلبها عند سماع قصص التعذيب في السجون وتتمنى لو أنه مات ليرتاح من العذاب.
تعيش أم عمار اليوم في أحد المخيمات على الحدود الشمالية، لم تستطيع العيش في المدينة خوفاً من القصف وفقدان أحد أبنائها، تعمل في خياطة الملابس وتأمين مصروف بسيط لعائلتها.

أما” سناء” 45 عاما، فكان لها مع الاختفاء القسري قصة أخرى فهي ماتزال في دمشق، تحت سيطرة النظام، تمارس عملها كمعلمة في احد المدارس، لتعيل أسرتها وأولادها بعد اختفاء زوجها من شارع العباسيين في صيف 2014، عند عودته من عمله كما أخبرتنا.

سألت عنه في جميع في الأفرع الأمنية والمخابرات الجوية وساعدها أخو زوجها وهو ضابط بالجيش أيضاً، ولكنهما لم يتوصلا لمكان وجوده، إلى أن جاءها خبر من دائرة النفوس في 2018 بأنه متوف بسبب أزمة قلبية منذ ثلاث سنوات على الأقل.

وهذا ما أشار إليه التقرير الصادر عن الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أن انتهاكات النظام السوري لم تتوقف عند الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري، بل ذهبت لأبعد من ذلك عندما بدأت ترد مطلع عام 2018 قوائم لمختفين قسرياً على أنهم متوفون في دوائر السِّجل المدني في كافة المحافظات السورية دون إعطاء ذوي الضحايا أية معلومات حول الوفاة باستثناء تاريخ الوفاة وزمانها، وكان قد مضى على وفاة معظمهم سنوات دون إبلاغ ذويهم بوفاتهم.


رضخت سناء للأمر الواقع، وسلمت بشأن موت زوجها، وقالت (الحمد لله الذي مات وارتاح من العذاب، الآن أنا راضية بمصيره وخاصة عندما أسمع عن قصص تعذيب السجناء).

عاشت سناء ككل النساء المغيب عنهن أزواجهن حالة من الشك والحيرة حول مصيرهم ، شبهتها بفترة “البرزخ الدنيوي” مرحلة ما بين الموت والحياة، تقف منتصف الحالتين دون الثبات على أحدهما إلى أن مالت كفت الموت وانتهت القصة.
كانت تبدو أنها قوية أمام أولادها وأقاربها، لكنها كانت تغرق ببحر من الدموع كل ليلة، تفرغ به حزنها، لتستعيد في الصباح التالي قوتها وتكمل حياتها ككل النساء الوحيدات تقول: “أصبحت أرملة وأم للأيتام صغار، يكسر ضهري هذا الحمل الثقيل”.

قصة سناء وأم عمار كقصص آلاف النساء، تغيب وجوههن وراء أرقام مرعبة تجاوزت المئة ألف معتقل أو أكثر، بعضهن أكملن حياتهن واستسلمن لفكرة الغياب، وبعضهن مازالت تنتظر اليوم الذي ترى فيه زوجها وقد عاد من الموت مرة أخرى.