إيمان ديراني (عيني عينك) – دأب النظام ومنذ اندلاع الثورة لإظهار الثورة على أنها “فوضى والثوار على أنهم مخربين” وحاول إعطاء الحراك في البلاد منحى طائفي من خلال أحزابه وإعلامه، وكان الرئيس بشار الأسد قد وصف الاحتجاجات الشعبية في خطاباته بأنها مؤامرة أجنبية لزرع بذور الفتنة الطائفية، في الحين الذي لم يتوان نظامه عن التجييش العقائدي في حربه التي حملت شعار “الأسد أو نحرق البلد”.

لم يكن لنظام الأسد أن يتقدم بدون مساعدة مليشيات تخوض معه هذه الحرب، وليس أفضل من إيران لهذا الهدف، وقد عمل الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس الإيراني مع جيش النظام تحت قيادة الفريق قاسم سليماني على دحر الثورة بالقوة.

 فمن هو قاسم سليماني؟

 هوعسکري إيراني، وقائدا لفيلق القدس من 1998 خلفاً لأحمد وحيدي حتی مقتله، وهي فرقة تابعة للحرس الثوري الإيراني والمسؤولة أساسا عن العمليات العسكرية والعمليات السرية خارج الحدود الإقليمية، لذلك برز نشاطه العسكري في العراق واليمن ولبنان، وفي سوريا أشرف بنفسه على عدة معارك في ريفي اللاذقية وحلب وأرياف دمشق، والتي أدت إلى مقتل الآلاف من المدنيين وإلى تهجير قسري لمئات الآلاف من السوريين، وقاد سليماني عمليات التغيير الديمغرافي في حلب وسائر المحافظات السورية، التي دٌمرت فوق رؤوس ساكنيها، وكل ذلك بذريعة معاهدة التعاون العسكري في البر والبحر (معاهدة الدفاع المشترك) الموقعة في عام 2006، وقد بدأ  مسلسل جرائمه في سوريا منذ بداية الثورة السورية السلمية الذي شارك بقمعها من خلال دعم ومساندة وتحريض نظام الأسد على العنف الدموي، مما جعل الولايات المتحدة تفرض العقوبات على سليماني في 18 مايو/أيار 2011 مع رئيس النظام السوري بشار الأسد وغيره من كبار المسؤولين السوريين، وفي 3 يناير 2020، قُتل قاسم سليماني في غارة جوية أمريكية بطائرة بدون طيار بالقرب من مطار بغداد.

مقتل سليماني أظهر الكثير من التناقض بين السياسيين في العالم العربي وبين الشعوب كما في سوريا وفلسطين وحتى في لبنان وفي العراق أيضا، حيث ذاقت هذه الشعوب من عنصريته واجرامه ما ذاقته. ففي الوقت الذي منح فيه بشار الأسد قاسم سليماني بعد مقتله وسام الشرف (وهو أرفع وسام في سوريا)، أتت احتفالات الشارع على نقيض مواقف السياسيين.

 ففي إدلب أظهرت الفيديوهات خروج أعداد منهم في تظاهرة احتفالية وتوزيع الحلويات وعلق الكثيرمنهم على وسائل التواصل بكلمات الابتهاج لمقتله بينما يمنحه رأس النظام أرفع وسام في سوريا.

وخرج الإيرانيون أيضاً ابتهاجاً بمقتل أحد أهم رجال خامنئي عبر تظاهرات مزق فيها المتظاهرون صور سليماني وخامنئي، ورددوا شعارات منددة بالنظام الإيراني والمرشد الأعلى علي خامنئي والحرس الثوري.

فيما خرج العراقيين شيعتهم قبل سنتهم ليدلوا بشهادتهم للتاريخ في تظاهرات احتفالية في عدة مدن.

أما في فلسطين وبينما يزور “إسماعيل هنية ” إيران لتقديم التعازي. نشط الفلسطينيون في غزة بالاحتفال مع إخوانهم السوريين، ولم يثنهم عن ذلك ما قيل من دعم إيراني لحماس، ولا تسمية الفيلق الذي يقوده سليماني بفيلق القدس بعد أن أنغمست يداه في الدم السوري، واشتعلت منصات التواصل بالتعليقات و التبريكات لهذا الحدث، وأظهرت صوراً لتوزيع الحلوى في شوارع غزة.

 كتب الشيخ كمال الخطيب في صفحته على الفيس بوك يقول :”قاسم سليماني الحاكم العسكري الإيراني لبغداد ودمشق وبيروت وصنعاء لم أصدق يوما أنك ستصل إلى أسوار القدس لتستشهد هناك وإنت قائد فيلق القدس وتابع :”القدس طاهرة لا يحررها إلا أطهار، شريفة لا يحررها إلا الشرفاء …. يا قاسم كنت ظالماً فابتلاك الله بمن هو أظلم منك “

سليماني ينتقل إلى الجنة؟؟

لكن الأغرب من مواقف السياسيين ما نشره الموقع الرسمي للمرشد الأعلى للنظام الإيراني “علي خامنئي” رسماً يجسّد الإمام الحسين بن علي  بن أبي طالب – على حد زعمهم – وهو يستقبل قائد ميليشيا “فيلق القدس” الإيرانية المدعو “قاسم سليماني”في الجنة، وأرفقت الصورة ببيانٍ تأبيني للخامنئي وصف فيها سليماني بـ “لواء الإسلام العظيم”، وأنه الآن في “منزلة رفيعة في السماء”،

وعلى ما في هذا الرسم من استخفاف بعقول السذج من الإيرانيين فاستدعاء الدين في حادثة مقتل سليماني ومن المرشد الأعلى لجمهورية إيران فيه إشارة و دلالة واضحة على استدعاء الدين من اجل معركة سياسية طائفية من قبل ايران، ووصف المعركة في سورية بين حق وباطل (باحتضان الحسين لسليماني) وان الحق مع الفئة التي يقاتل معها سليماني في سوريا وغيرها ،

وهذا فيه رسالة واضحة للشيعة في ايران وغيرها من البلدان على قدسية هذا التدخل العسكري من قبل المليشيات الشيعية في سوريا، وانه تدخل من اجل عقيدة  “الثأر للحسين “وانتقاما له من قاتليه كما يزعمون، وتبريرا لجرائم  قتل المليشيات التابعة للحشد الشعبي وفيلق القدس للمدنيين في سوريا، بل حتى هذه الجرائم قد ترقى لمرتبة العبادة التي يؤجر صاحبها بجنة الآخرة، كما أظهرالرسم وكلمات بيان خامنئي.

إذ لابد للشعوب من وقود يدفعها للتضحية، كما يرى ابن خلدون :”يصبح الدين ليس فقط خطابا مبررا للحرب، وإنما قوة اجتماعية تعزز “العصبية” -(من العصبة وهم مجموعة الأفراد المتلازمين دائما الذين تجمع بينهم رابطة الدم أو الولاء أو الحلف لضمان التفاعل)”- وهو عند ابن خلدون القوة الدافعة الأساسية للمجتمع،

فالحملات الصليبية في النصف الأول من القرن الماضي  رفعت الصليب من أجل إعلانها حرب مقدسة، والتغرير بالشعوب.

كان الرسم وبيان التأبين من خامنئي مستفزا لمن ذاق من إجرام سليماني فانهالت التعليقات والتي لاتخلو من الاستهزاء والشتائم، فكتب أحد السوريين مستهزئا “عجب معقول سينا الحسين بجهنم؟!!!!!” إذ كيف تكون الجنة جزاء لسفك الدماء الأطفال والنساء،

وثمة سؤال آخر في تعليقات السوريين برسم الإجابة “إن كان سليماني في الجنة فلمن تسعر جهنم؟!!!!!”

الإجرام لا دين له ولا مذهب

 فالشرائع السماوية والأعراف الانسانية تحرم سفك الدماء، وقانون الغاب فقط هو من يبح للقوي افتراس الأضعف، والطائفية والمذهبية ليست مذهباَ للشعوب بل هي عصا السياسين والعسكريين،

منذ أشهر  تحوّل المراهق الأسترالي “ويل كونلي” إلى أيقونة عالمية بعد أن رشق سيناتورا أستراليا من اليمين المتطرف ببيضة في رأسه إثر وصفه الإسلام بـ”دين العنف” في تعليق على الهجوم الإرهابي الذي استهدف مسجدين في نيوزيلنداوراح ضحيته أكثر من 50 مسلما أثناء أداء الصلاة،

قال في تغريدة له على تويتر “يسألني الناس ما أسباب قيامي بهذا؟ لأكون صادقا قمت بذلك لإغلاق أفواه المحرضين، الإرهاب لا دين له! المسلمون ليسوا إرهابيين! لقد حصل على ما يستحق، هذا كل شيء!”.

في أشهر الثورة الأولى عمد النظام لتخطى بيوت المسيحيين أثناء اقتحاماته، وكان الهدف من ذلك إظهار ميزة عنده للمسيحين دون المسلمين، وأيضا من أجل تشكيك السوريين ببعضهم البعض وتخوين بعضهم لبعض، لكن محاولاته باءت بالفشل وبقي النسيج السوري متماسكا، تحدثنا السيدة “سناء”المهجرة إلى الشمال السوري من مدينة داريا 

” كان سكني بالقرب من الكنيسة وحي المسيحيين، ورأيت كيف اجتهد الكثير من المسيحين عند مداهمات الجيش وبخاصة أيام مجزرة “داريا” بإخفاء الشباب المسلمين في بيوتهم، وربما سأل ضباط الجيش أحدهم عن جاره المسلم فيقول هذا بيت مسيحي، فقد نصب النظام نفسه الحامي للأقليات في سوريا، وما تدمير الكنائس كما دمر المساجد إلا دلالة واضحة على كذب ادعائه “

وبعد تسع سنوات من الثورة مازال السوريون يظهرون في كثير من المناسبات بعدهم عن الطائفية ومحاربتهم الفكرية لها.

ففي الأسابيع الماضية شهد العالم وفاة الإعلامية نجوى قاسم، والتي تعمل مذيعة لقناة العربية والعربية الحدث، وضجت وسائل التواصل بالكتابة عنها وعن منجزاتها.

أما السوريون فقد استذكروا تأثر نجوى برسالة صوتية لامرأة من حلب وهي تستغيث عندما كانت محاصرة في المدينة،

 فقد حفظوا لها تلك الدموع، وأمطروها رحمات في بوستاتهم وتعليقاتهم على وسائل التواصل، ولم يكن ليخطر ببال الكثير منهم السؤال عن مذهب نجوى، ولم تُغير معرفتهم بمذهبها احترامهم لها رغم أنها تدين بنقس مذهب سليماني.