صورة تعبيرية. المصدر: truly belong

رند الشامي (عيني عينك) – يعود تشابك  العلاقة بين الدين والدولة إلى أزمانٍ غابرة، فكان لا بد للحاكم منذ القرن الرابع قبل الميلاد أن يستخدم الدين في شؤونه السياسية، و يتحدث باسم الإله. الأمر الذي مكّنه من قيادة المجتمع والسيطرة على مفاصل الدولة، فكانت الأسر الفرعونية المتعاقبة على حكم مصر لعدة قرون، بصفة آلهة أو أبناء الآلهة أو أوصياء الآلهة على الأرض، و قد تم تبرير موت الحاكم من هذا المنظور، إذ  أنه ينتقل إلى العالم السفلي بصفة إله أيضاً عند وفاته.

في بلاد الرافدين كان القائد جلجامش ابناً للإله؛ ثلثه بشر و ثلثاه إله، و قد أمضى جل حياته في البحث عن الحياة الأبدية و الخلود كي لا  ينتقل إلى العالم السفلي الذي كان يخشاه و باءت كل محاولاته بالفشل كما تقول ملحمته الشهيرة.

يقول الشيخ حسن أبو عمار: “نزلت الديانات السماوية لتفنيد ألوهية الحاكم البشري، و خاصة أن نهاية الكثير منهم كانت وخيمة و مهينة، كنهاية حياة بعض فراعنة مصر. فكيف لإله أن ينتهي بتكسير جمجمته؟ و كيف لإله أن تأكله التماسيح؟ فقد أظهر الله أكاذيبهم  للناس من خلال الإهانة التي تعرض لها هؤلاء في حياتهم و ألوهيتهم الكاذبة. كما قال الله تعالى في سورة يونس : “فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) “

حكم عدد من الأنبياء و الرسل  بشرع الله و قد عانى الأنبياء صعوبات شديدة في إقناع الناس بالرسالة التي حملوها بسبب وجود تيار غير مؤمن برسالتهم، بالإضافة لتيار مازال يعبد الآلهة القديمة أو من يعبد الله من خلال تماثيل حجرية تقربهم لله زلفا. كان النبي محمد (ص) آخر و خاتم الأنبياء و المرسلين و بوفاته انتهى حكم الأنبياء بشخصهم، لكن الرسالة التي حملوها للناس استمرت، فكان لا بد للحاكم في العصور اللاحقة من تطويع رجال الدين أو علماء الدين و محاولة السيطرة عليهم لشرعنة أعماله و نشأ مصطلح علماء السلطان.

 في الوقت الذي كانت فيه أوروبا، قد قطعت عصوراً من الصراع بين الدين و الدولة؛ من تنافر في بعض الفترات وتجاذب في فترات أخرى، وتعد محاكمة سقراط من أشهر المحاكمات على مدى التاريخ، وقد سجل وقائعها تلميذا سقراط وهما  أفلاطون وزينوفون في عام 399 قبل الميلاد، حيث اشتركت المؤسستان السياسية والدينية بإعدام أبرز فلاسفة أثينا، بعد أن وجهت السلطة السياسية الحاكمة تهمتين (دينيتين) هما إفساد الشباب والمعصية. بالإضافة لاحتقار آلهة أثينا. ولإضفاء الشرعية على قرارات المحكمة جمعت السلطة 500 من مواطني أثينا لينطقوا بالحكم، فامتثل هؤلاء لأوامر السلطة وحكموا على سقراط بتجرع كأس السم.

كان لابد لطريقة الحكم في عصرنا، أن تختلف في علاقتها بالأديان عن العصور السابقة بسبب التطور العلمي الحاصل في كافة مجالات الحياة. و اتساع مدارك العقل البشري. فشكلت العلاقة بين الدين والسياسة قيمة مهمة في الفلسفة السياسية، على الرغم من الإتفاق  على حق حرية الرأي وعلى الحاجة إلى نوع من الفصل بين الدولة والمؤسسة الدينية، ومنع هيمنة أحداهما على الأخرى. و تنظيم العلاقة بين المسجد و الدولة، أو الكنيسة والدولة، و بين الدين و السياسة أو بين رجل الدين والدولة المدنية، ما يعكس التفاعل بين المؤسسات الدينية والحكومية في المجتمع، وتكون هذه العلاقة في التقاليد اليهودية و المسيحية بين المسؤولين الدينيين والسلطات الحكومية.

 في الغرب وضعت عدة صياغات لاهوتية وفلسفية لتحديد السلطة النسبية بين الكنيسة والدولة. وتأرجحت العلاقة بينهما بمرور الزمن، فتارة كانت الدولة تابعة للكنيسة صاحبة السلطة الروحية، وتارة كان العكس، وتوصلت المؤسستان في الكثير من الدول إلى تسوية تحصر مهمة الكنيسة بتقديم المشورة في القوانين المتعلقة بالأخلاق.

تقول المحامية نصرة الأعرج عضو المكتب التنفيذي في الهيئة السياسية في محافظة ادلب:
تمحورت العلاقة بين الدين والدولة على مر العصور في ثلاث اتجاهات وهي: “

 الاتجاه الأول / الثيوقراطية/: ويقوم على الخلط بين الدين والدولة، والتي تعنى لغوياً الحكم الإلهي، ومن المذاهب الثيوقراطية نظريتي الحكم بالحق الإلهي والعناية الالهية. وفى الفكر الإسلامي تقارب الثيوقراطية مذهب الاستخلاف الخاص أي القول بأن الحاكم ينفرد دون الجماعة بالاستخلاف عن الله في الأرض، وهو مذهب قال به بعض الخلفاء الأمويين والعباسيين، وقال به الشيعة في حق الأئمة من أحفاد علي (رضي الله عنه). غير أن هذا المذهب يخلط بين الاستخلاف الخاص المقصور على الأنبياء، والذي انتهى بختم النبوة ووفاة الرسول محمد (ص) والاستخلاف العام للبشر، كما انه يساوي بين الأنبياء والحكام أو الأئمة في الدرجة .
الاتجاه الثاني /العلمانية/: وتقوم على فصل الدين عن الدولة، والتي كانت في الأصل جزء من الديانة المسيحية، ثم تحولت إلي تيار فكري ظهر في مرحلة معينة من مراحل التاريخ الأوروبي، ثم تحول إلى ثورة ضد تدخل الكنيسة في الحكم، وانتهى إلي إقامة نظام علماني في موقفه من الدين.
الاتجاه الثالث / الشمولية /: ويقوم على أن علاقة الدين بالدولة علاقة وحدة (لا خلط) وتمييز (لا فصل). فهي علاقة وحدة (لا خلط) لان السلطة في الإسلام مقيدة بالقواعد القانونية التي لا تخضع للتغير والتطور مكاناً وزماناً، وبالتالي لا يباح تجاوزها، والتي تسمي في علم القانون بـ (قواعد النظام العام) في حين تسمى باصطلاح القرآن (الحدود)؛ ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ( البقرة: 229)  : ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾ .(البقرة 187) .”

مازالت الكثير من دول الشرق و بشكل خاص الدول الشرق أوسطية تعاني من الديكتاتوريات التي تحكم  إما باسم الولي الفقيه أو تقوم هي بصناعة رجال دين لتستخدمهم في شرعنة ما يقوم به الحاكم الديكتاتور من فساد و جرائم بحق الشعوب في هذه المنطقة و تغييب القيم الديمقراطية و الحريات العامة والشخصية،  بل و تحريمها وتكفير من ينادي بها الأمر الذي أوصل هذه الشعوب إلى القيام بثورات للوصول إلى الدولة المدنية الديمقراطية التي تحترم مواطنيها ويتساوى فيها جميعهم في الحقوق و الواجبات. فلا بد أن تنجح هذه الشعوب في نيل مبتغاها مهما طال الزمن.