سيرين مصطفى (عيني عينك) – يجلس أبو حسن بجانب مدفأة الحطب المشتعلة، وحوله أطفاله مع زوجته الذين غطوا في نوم عميق على أثر الدفئ. أما هو فلم يغمض له عين، وهو يفكر بالحطب المشتعل داخلها، إذ كان من أحب شجرة على قلبه. تلك الشجرة التي بلغت من العمر الـ 10 سنوات قبل أن تكتب لحياتها النهاية حين قرر أن ينزل من المخيمات إلى قريته، التي باتت مهجورة بسبب القصف واقتراب قوات النظام منها كي يقطعها ويستفاد من حطبها.

تعود به الذاكرة إلى الوقت الذي قطع فيه الشجرة، آنذاك كان الوقت فجراً، وقف أمام الشجرة الكبيرة، ناظراً إليها بحزن، ثم تذكر فجاة أن القصف قد يبدأ بأي لحظة، فاستعجل وضع البنزين في منشار الحطب الكهربائي ليبدأ عمله والدموع تنهمر من عينيه.

لم يتوقع الأهالي النازحون من ريف #حماة الشمالي وريف #إدلب الجنوبي، ومعهم نازحو ريف #معرة_النعمان أن يمضوا شتاء هذا العام في مخيمات الشمال الباردة بعيداً عن بيوتهم، ولم يتوقف الأمر عند النزوح فقط، بل أضيف عليه عم وجود مورد يكسبون منه المال في ظل ارتفاع سعر الدولار مقابل الليرة السورية وما رافقها من غلاء سعر المواد الغذائية وغيرها، بجانب ارتفاع سعر المحروقات.

على الرغم من وجود بعض المساعدات من المنظمات الإنسانية، مثل السلل الإغاثية وبعض المبالغ المالية البسيطة، إلا أنها لم تسد حاجة بعض الناس ولم تصل إلى أناس آخرين. مما دفع بعض الشباب إلى النزول إلى قراهم في مناطق الخطر بهدف جمع الحطب لتأمين مصدر لتدفئة عائلاتهم أو العمل بتحميل الأثاث بهدف تأمين لقمة العيش، في حين أن لهذه الظاهرة مساوىء يكفي أن يذكر منها، احتمالية فقدان ذلك الشخص المخاطر لحياته أو تعرضه للإصابة، فضلا عن أجواء الخوف والرعب العي يعيشها أثناء تواجده في مناطق القصف.

ما هي أسبابهم للقيام بهذه المخاطرة؟

يحكي حاتم الخضر: “كنت مذعوراً للغاية وأقول لنفسي أنه من المستحيل أن أعود لعائلتي سالماً، لشدة القصف. كان غرض ذهابي إلى قريتي هواحتطاب شجرة تين ضخمة من جانب بيتي، عمرها كان 15 عاما، وكان الدي الراحل يحبها لأنها في الصيف تمتلئ بالتين، إلا أني خاطرت بنفسي وذهب ثم قطعتها بعد أن ساء الحال واحترت في أمري ماذا سأستخدم من وسائل للتدفئة، جميع الوسائل غالية الثمن، وأنا لا أمتلك المال”. 

ويكمل حسام قاسم: “بعد النزوح بحثت عن عمل براتب شهري دائم علني أستطيع أن أسد نفقات العائلة والأخرى التي فرضها علي النزوح، لكن لم أجد، مما دفعني لأن  أبيع خاتمي زوجتي. في نفس الوقت كنا نحصل على بعض المساعدات البسيطة، لكنّها كانت ذا طابعٍ مؤقت ليست دائمة. فلم أجد خياراً سوى أن أعمل بواسطة سيارتي الكبيرة، التي أستطيع من خلالها تحميل الأثاث للناس من القرى المهجورة والتي تقصف بشكل شبه يومي إلى الشمال، مقابل مبلغ من المال، أتفق عليه مع صاحب الأغراض. في كثيرٍ من الأوقات نتعرض لقصف شديد أثناء نقل الممتلكات وأقطع عهداً ألا أعود إلى هناك مرة أخرى في حال نجوت، إلا أني لا ألتزم بسبب قسوة الظروف المادية”.

ويسرد عدي السوادي من ريف #إدلب الجنوبي:”لم نستطع أن نجني مواسمنا خلال الصيف المنصرم بسبب النزوح، وآتانا الشتاء ولا يوجد ورقة من المال في جيوبنا، كما أنه لا عمل بين أيدينا ونحن في المخيم، حيث يتم تقديم معونات غذائية وماء مجاني، لكن ذلك ليس كافياً، لدي عائلة تريد الخبز والدواء والغاز وما إلى ذلك، وسائل التدفئة كثيرة، لكن ليس لدي قدرة، ماذا أفعل؟ أمد يدي للناس! بالتأكيد لا. لم أجد خياراً آخر سوى جمع الحطب من قريتي التي يستهدفها القصف كزخ المطر”.

ارتفاع أسعار مواد التدفئة هذه السنة بشكل ملحوظ، شكّل عائقاً أمام النازحين. بالأخص أصحاب الدخل المحدود والمتوسط فضلا عن من فقد مصدر دخله بسبب النزوح. من أكثر مواد التدفئة المستعملة عادة هي المازوت، إلا أن الليتر منه في العام السابق كان يتراوح تقريباً بين الـ(200 إلى 250) ل.س، أما الأن فقد وصل إلى (600 و 700) ل.س. يقول أبو منذر(بائع مازوت) في ريف إدلب الشمالي: “أقل كمية ممكنة تحتاجها العائلة هي 250 ليتر خلال الشتاء، ذلك في حال كان هناك تقنين كثير، والكمية قابلة للزيادة بالاخص إذا كان هناك أطفال أو كانت المرأة حاملاً أو غيرها من الأسباب التي تجبر الشخص على إشعال المدفأة”.

الفرق الشاسع ما بين العام السابق والآن في سعر تصريف الدولار من وإلى الليرة السورية 

الخيار الآخر هو الحطب، وبحسب الأهالي في المخيم، فإن العائلة تحتاج ما بين 1 طن إلى 2 طن، وكان سعره ذلك العام ما بين 40 ألف إلى 50 ألف، لكن في شتاء ال2020 تجاوز الـ 90 ألف. بجانب استعمال مدافئ قشر الفستق، تقول فاديا إبراهيم: “يقدر ثمن المدفأة من هذا النوع بـ100 دولار و 150 دولار تقريباً، وطن قشر الفستق تقريبا كان في شتاء ال 2019 اشتريناه ب185 دولار الآن ب200$، الفرق الشاسع الآن هو سعر التصريف ما بين الليرة السورية والدولار، إذ في تلك الأثناء كان الدولار حوالي 450 إلى 500 ليرة، أما الأن تجاوز الـ 900 ليرة”. 

كذلك يتم استعمال البيرين الذي شاع استخدامه مؤخرا في العامين الماضيين لأنه أقل سعراً نوعاً ما من الوسيلتين السابقتين، حوالي 80 ألف ل.س سعر الطن، وهو على شكل قوالب مضغوطة من مخلفات الزيتون مع استخدام الفحم الذي هو على ثلاث أنواع تختلف بالجودة والسعر، من 1500 إلى 4500 ل.س، تقول روعة السرماني:”صوبة الفحم اشتريناها ب 25$ و كيس الفحم جيد الاشتعال ب4500 ل.س، يكفي فقط لأربع أيام، عندما لا نطفئ المدفأة إلا وقت النوم، يعني في الشهر 40 ألف ليرة سورية، ثلثي المدخول الشهري لزوجي”. 

البرد باب مفتوح للأمراض

يشير تقرير بعنوان طقس بارد… خطر على جسم الإنسان! منشور بتاريخ 26 آب/أغسطس في 2009 على موقع “Laha Magazine”، إلى أن الطقس البارد يشكل مساوئ وأمراض جمة للإنسان، ومن بعض الأمراض، الرشح والزكام كما هو شائع في فصل الشتاء. حيث تنتقل للناس العدوى من الطقس ومن بعضهم البعض. وقد تتطوّر بعض حالات الزكام إلى التهاباتٍ في القفص الصدري والرئتين. كما أن الأشخاص الذين يعانون مرضاً معيّناً، معرّضون لأن تزداد حالتهم الصحيّة سوءا إذا لم يتخذوا الحيطة، لأن البرد يؤثر على كل الأعضاء في الجسم مولدا مضاعفات لأمراض موجودة أساسا. فضلا عن كونه سببا في زيادة سماكة الدم في الشرايين، مما يعني أن الإنسان معرض للإصابة بالجلطات الدماغيّة أو الجراحات القلبيّة. خاصة أن تلك الأمراض تتفاقم مع انخفاض درجة الحرارة. ويعاني الناس بسبب البرد أوجاعاً معويّة عديدة وعسر الهضم، لتواجد أنزيمات خاصّة في المعدة لا تعمل في درجات حرارة منخفضة.

من جهته يقول الناشط الإعلامي فادي شباط :”تختلف وجهات النظر حول موضوع المغامرة، ففي الوقت الذي يراه الكثيرون انتحاراً، ويراه من يعيشون ذات الحالة بطولة وتضحية، بعد 9 أعوام من الحرب والمعاناة بات من الصعب جداً توحيد وجهة نظر السوريين حول ظاهرة معينة، ومن المستحيل إقناع من يستخدم تدفئة مركزية حديثة أن تأمين وسائل التدفئة في واقعنا يعد تضحية كبيرة. في ظل انتشار البطالة وفقدان سوق العمل مع عمليات التهجير، أرى أنّه من الطبيعي جداً أن يغامر الناس لتأمين وسائل تدفئة أبناءهم الذين يرتجفون أمامهم برداً”.