صورة تعبيرية من الأرشيف

ريتا خليل (عيني عينك) – “يبدو أن العالم بأسره يقف ضد السوري بما يشمل السوريين أنفسهم” بهذه الجملة عبر أبو علي النازح من قرى ريف إدلب الجنوبي الى مخيمات أطمة عن سخطه تجاه ظاهرة قيام بعض النازحين في مخيمات الشمال السوري ببيع الخيم وأماكن الإقامة بأسعار باهظة في أغلب الأحيان.

“نزحنا نتيجة القصف المكثف الذي طال بلدتنا على مدار الأربع والعشرين ساعة” يقول أبو علي، ويستأنف: “عند وصولنا الى مخيمات أطمة، كنت أظن أنه وبمجرد وصولي سألقى ترحيباً، أقله من الأهالي النازحين سابقاً، ولن يكون إيجاد مكان للسكن بالأمر الصعب، لكنّ الصورة الحقيقية كانت عكس ذلك فما إن وطأت سيارتنا أرض أحد المخيمات حتى تجمهر مجموعة من الأشخاص حولي يتساءلون عن المكان الذي قدمت منه وإن كان لي سكن ام لا، وعندما أجبتهم بأنها المرة الأولى التي أجرب فيها تجربة النزوح وتطأ قدماي مخيمات أطمة بدأت تنهال علي عروض السكن، فهذا لديه غرفة إن صحت تسميتها بالغرفة يريد بيعها مقابل مبلغ 800$ وآخر طلب 1400$ مقابل سكن يضم ثلاث غرف صغيرة، قد تجدون هذه الأسعار مقبولة ثمناً لمنزل هذا ان كان منزلا أصلا فالبيوت المقامة هناك هي عبارة عن غرف لا تتجاوز أبعادها الثلاثة امتار طولاً ومثلها عرضاً مبنية من البلوك وسقفها من البطانيات الصوف والعوازل البلاستيكية ويغيب عنها المرافق الصحية بصورة شبه كاملة.

عدي الحسن (23) عاماً، من سكان مخيم عطاء يقول: “مضى علي في المخيم ست سنوات. كانت هذه الأرض شبه جرداء وبنت إحدى المنظمات الخيم الأولى للنازحين ونحن منهم على أرض مشاع لا تتبع ملكيتها لأحد، وبعد فترة تحولت هذه الخيم إلى أبنية تسقف بتلك الخيم فأصبحت نوعا ما شبه منزل له باب وأرض من البيتون”.

يتابع عدي قائلاً: “شاهدت خلال فترة إقامتي في المخيم حالات نزوح عدة، في كل مرة كنت ألاحظ قيام البعض باستغلال حاجة النازحين لإيجاد مكان للسكن عبر تأجيره أو بيعه، في البداية كانت هذه الظاهرة نادرة بعض الشيء فالأرض متسعة والمنظمات كانت ولا تزال مهتمةً بشؤون النازحين والمخيمات، أما اليوم فالمخيمات تغص بمن فيها، ففي الغرفة الواحدة تجد عائلتين أو اكثر ولم يعد هناك متسع من الأرض لبناء خيم جديدة، وحتى مبدأ التأجير في هذا العام اختفى بصورة كلية فالكل يريد أن يبيع منزله بيعاً”.

أم حسن ارملة وأم لخمسة أطفال من بلدة الركايا، نزحت هي الأخرى كغيرها طالبة الأمان لها ولأطفالها في مخيمات أطمة تروي قصتها: “أتيت الى #أطمة بعد ان سمعت عن توفر أماكن لبناء خيم في الجبل القريب من مخيمه، وبالفعل كانت هناك مساحة من الأرض تتسع لبناء عشرات الخيم لكن إدارة المخيم قامت بتقسيمها الى مقاسم مربعة وراحت تطلب مبالغ تجاوزت المئة الف ليرة سورية ثمنا للمقسم الواحد وهو مبلغ لا أحوزه، فقام أخي بإيوائي في غرفته الوحيدة فأصبحنا ثلاثة عشر شخصاً يتقاسمون منزلاً مساحته خمسة وعشرون متراً مربعاً في صيف حارق، إضافة إلى أنه وافق شهر الصيام. فهل يا ترى سأعود الى قريتي يوماً؟”.

هذه هي الحال التي يعيشها النازحون السوريون في مخيمات الشمال السوري، وهذا جزء من المأساة السورية في الداخل فالنظام يبطش بابناء البلد قصفاً وقتلاً وتشريداً ليأتي من عانى مأساة النزوح في فترات سابقة ليستغل حاجة أخيه النازح ويساومه على توفير مكان يأويه وأسرته لا يكاد يقيه حر الصيف ولا برد الشتاء ليتسال احدهم: “يا ترى هل البقاء تحت قصف الطائرات أهون علينا من أن نرى ابن جلدتنا يستغلنا”.

ريتا خليل