منيرة بالوش (عيني عينك) – تسابق الحاجة “أم يوسف” أشعة الشمس كل صباح للذهاب إلى بستانها في قرية المسطومة، بريف #إدلب لقطاف الزيتون وهي على هذه الحال منذ دخول السنة شهر تشرين الثاني.

تقول أنها تعدّ زوادة الطعام، وتهيئ أغراض القطاف من أوعية فارغة، وصناديق بلاستيكية، ومدّات، وشوادر كبيرة توضع تحت الأشجار، إضافةً إلى أكياس الخيش الكبيرة.

ويعتبر موسم قطاف الزيتون في مدينة إدلب من أهم الطقوس السنوية لمعظم الأهالي فهو بزيته وغلالِ حبّاته، يشكل عصب الاقتصاد بالنسبة لأهالي إدلب، وهو فرصة عملٍ لكثير من الأشخاص العاملين في القطاف، والذي يبدأ منذ نزول أول مطرة في تشرين وحتى شهر كانون الأول.

بعض أصحاب المواسم الذين التقيناهم قالوا أنهم استعجلوا قطاف المواسم لهذا العام بسبب الخوف من الأوضاع الأمنية، ورغبةً منهم في تحصيل الرزق مبكراً، بسبب الأوضاع المعيشية التي تضيق يوماً بعد يوم.

كحال جميع أصحاب حقول الزيتون، تنتظر أم يوسف ما يجنيه موسم حقلها، لتوفي بعض ديونها، وتشتري مواد التدفئة للشتاء وبعض الكسوة والملابس التي تؤجل شرائها منذ عام، بالإضافة للمواد التموينية لعائلتها، فالزيتون مصدر رزقها الوحيد.

لا يعتبر الذهاب لقطاف الزيتون موسم عمل ومال فحسب، بقدر ماله مكانة في قلوب أصحاب المواسم، فهو أيضاً فرصة لاجتماع العوائل، والأطفال، والشباب والشابات، تقول أم يوسف: “تجتمع بناتي وأبنائي، وأزواجهم وأولادهم في طقس كأنه العيد “

تتوزع المهام المختلفة على الجميع، ولكلٍّ دوره في العمل، فالشابات تتسابق لتسلق الأشجار، بعدما ينهين قطاف الحبات من الأغصان القريبة من الأرض، والبعض الآخر يقف على السلالم المتوزعة حول الشجرة لقطافها من جميع الجهات، كل ذلك بعد فرش الأرض المحيطة بالجذوع، بالبسط والشوادر الكبيرة التي تجمع عليها ما يسقط من الزيتون، وتسهل عملية جمعه.

فيما تتولى أم يوسف مهمة فرز الزيتون عن الورق وتنقيته، ووضع الزيتون الصالح للعصر، بأكياس الخيش لتميزه عن الزيتون الصالح للمونة والتخليل، وهذا يرجع لخبرتها الممتدة منذ سنين، تقوم بذلك وهي تغني بعض الأناشيد التراثية التي تحفظها منذ أيام الصبا، وتكرر بعض الأدعية الخاصة بالبركة والرزق.

بينما يتسابق الأطفال الصغار لجمع الزيتون المتساقط على الأرض، ثم وضعه بالأكياس لينقلها الشباب إلى السيارة وبعدها تؤخذ للمعصرة.

تتخلل هذه الأجواء العملية النشطة، فترة الفطور والاستراحة وشرب الشاي المغلي على الحطب ذو الطعم المميز، تقول أم يوسف وهي تجلس على الأرض وسط عائلتها “لا يوجد أشهى من رغيف خبز التنور وكوب شاي مطبوخٍ على الحطب، رفقةَ أولادي وأحفادي في أحضان أشجار الزيتون، مع لفات الزعتر وزيت الزيتون “

هذا وتعتبر محافظة إدلب من أغنى المحافظات السورية بشجر الزيتون حيث يوجد ما يربو على 14 مليون شجرة زيتون.

في مشهد مغاير لأم يوسف وفرحها وأكثر سوداوية، عند الكثير من النساء يعتبر موسم قطاف الزيتون من أكثر المواسم بؤساً ومشقة، حينما تضيع حقوق المرأة العاملة في حقول الزيتون بين مطرقة جشع أرباب العمل وسندان الظروف المادية القاهرة.

حيث لا تخلو ورشة جني المواسم، من نساء عاملات سواءً كنّ أصحاب الأرض والمالكين لها، أو ممن يوفر لهم القطاف فرصة عمل بالمياومة، لاسيما مع اقتراب الشتاء وسوء الحالة الاقتصادية بشكل عام، حيثُ يفضل أصحاب الورش النساء لتدني أجور عملهن، ولعدم توفر فرص عمل أخرى، فتضطر النساء للذهاب للعمل مقابل مبلغ قليل جداً.

تصحب “أم أمين” ابنتها هناء كل يوم معها إلى ورشة القطاف، مع مجموعة من النساء والفتيات من المخيم، دفعهم الفقر وضيق الحال المعيشة إلى العمل بأجور زهيدة.

تقضي كل يوم أكثر من ٨ ساعات في العمل المتواصل في مزرعة تبعد عن المخيم حوالي الساعة تقريباً، تصعد إلى الشاحنة التي تقلهم إلى مكان العمل كل يوم في ساعات الصباح الباكرة، ينخر البرد عظام جسدها النحيل فيما تختبئ ابنتها في حضنها تستجدي بعض الدفء، وما إن يصلوا إلى المزرعة، حتى تقفز أم أمين وباقي النسوة من صندوق السيارة مباشرة باتجاه الأشجار، فهي لا تتوانى عن صعود السلالم ولا تسلق الأشجار، ويساعدها جسدها النحيل على التسلق بخفة، ثم تنحني لتلتقط ما سقط من حبات الزيتون دون استراحة أو توقف إلا في فترة الغداء القصيرة، ثم تعاود العمل.

تخبرنا أنها تتحمل كل ذلك لقاء مبلغ زهيد جداً، لا يتجاوز الألف ليرة أي أقل من دولارٍ ونصف الدولار لليوم الواحد، وهو مبلغ بالكاد يكفيها ثمن خبز لأطفالها الأربعة.

يتعلل أصحاب الورش بغلاء تكاليف القطاف والإنتاج، وكثرة اليد العاملة مقارنةً بالمعروض، وعليه فإن أجرة العاملات متدينة!

يقول أبو أحمد؛ صاحب ورشة قطاف تضم تسع نساء وأربعة فتيات صغار، أنه يدفع يومياً أكثر من عشرة آلاف ليرة أجرة للعاملات، هذا عدا عن مصاريف باقي العمال وأجرة المواصلات، ومع تدني أسعار زيت الزيتون لهذا العام، فإن تكاليف أجور القطاف لا تتحمل زيادةً  إضافية للعاملات، وإلا فإنه سيخسر حسب قوله.

يتطلب جني شجرة زيتون واحدة، الكثير من الساعات والجهد، والمخاطر المحيقة بالعاملات والعمال، والتي تقابل غالباً في حال حدوثها برفض تحمل مسؤليتها من قبل أرباب العمل، لكن ليس “لأم أمين” التي تعيش مع أطفالها الأربعة حل سوى الكد لتوفر لقمة العيش لهم، بعد وفاة زوجها في قصفٍ حربي قبل سنوات.

و بعد يوم شاق من العمل يأتي مشوار آخر من التعب في المنزل، بين جهد الطبخ والغسيل قبل أن تخلد للنوم باكراً استعداداً ليوم عمل آخر.