سيرين مصطفى (عيني عينك) – “الحربي الرشاش بالأجواء انتباه يا شباب”. ما إن صدر ذلك التنبيه من الجهاز اللاسلكي “القبضة”، سيطر الارتباك على أهل الحي الذي أسكن فيه، ليتراكضوا نحو الملجأ، متزاحمين أمام مدخله. ذلك المكان الذي بنوه سويةً بهدف الاحتماء من خطر القصف. خالد (50) عاماً، واحد من الفارين كان قد قطع صلاته في الركعة الثانية من صلاة الظهر، ودعد(30) عاما نسيت أن تطفى النار تحت طبخة الغذاء، لتنطلق حاملةً أطفالها، أما عبد الله (25) عاما لشدة خوفه نسي أن يلبس حذائه برجله، وغيرهم من تسارعت نبضات قلبه، ففقد السيطرة على نفسه، بجانب الكثير من ردود الأفعال اللإرادية التي انبثقت فجأة، لشدة الرعب. وإن سألت أولئك الأشخاص عن سببها، فسيعطوك أجوبة عديدة أبرزها “الروح غالية”، والأخرى تندرج جميعها تحت إطار الخوف، ليغدو  ذلك الملجأ، أي “المغارة” على حد وصف أهل تلك القرى، مكاناً يعج بأصوات الصراخ الممزوجة مع البكاء والدعاء بعد أن كان فارغا كليا قبل لحظات قليلة.

يلجأ السكان في بعض القرى التابعة لللشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام “المحرر”، لحماية أنفسهم من القصف العنيف بالاختباء ضمن ملاجىء تحت الأرض، مثل القبو، أو طابق أرضي، بالإضافة لـ “المغارة”. “بدأ الناس باعتماد المغارة كوسيلة للحماية، منذ أن بدأ القصف على المناطق في ريف إدلب الجنوبي بواسطة الطيران، والمدفعية خلال صيف 2012، بحسب الحاج أبو صطوف (80) عاما أحد من سكان قرية #كفرسجنة في ريف #إدلب الجنوبي.

مما دفع  الناس بحفر “المغر” تحت الأرض في قرى، مثل حيش، و كفرسجنة، وكفرعين، واللطامنة وكفرزيتا، وغيرهم من المناطق التي يتوفر فيها صخر قوي، لأنّه شرط أساسي لحفر مغارة آمنة نوعاً ما. 

يقول أبو مؤيد (40)عاما، واحد من ممتهني الحفر في قرية اللطامنة بريف حماة الشمالي:”لدينا أنواع للمغر، منها “الحوارة” تهبط بسرعة عقب أي اهتزاز، وليست كفيلة بحماية الناس، في حين يوجد نوعين جيدين هما “الجبابة” و”الجرف”، الأولى تتطلب عملاً كثير،  نحفر حفرة ثم ننزل بجوفها، ثم نكمل الحفر حتى تصبح مغارة، بعد أن نفتح لها باب، في حين الأخرى يقوم “الباغر” بقص الصخر بعدئذ نباشر الحفر.

وعن التكلفة يقول أبو مؤيد :” قد تصل تكلفة المغارة إلى 80 ألف ل.س، أو 100 أو150 ل.س، بحسب متر الحفر،  واحد طول وآخر بالعرض، كل متر نقدره بـ4 أو 5 آلاف ل.س، فحسب أيام العمل وحجم المغارة بجانب عدد الأمتار، نحدد السعر”.

في حين أنه الآن لم تعد “المغاور” ملاذاً آمناً، مع تطور الأسلحة التي يقصف بها النظام السوري وحليفه الروسي،  تقول سلام( 25) التي نزحت من قريتها عابدين في ريف إدلب الجنوبي، ب1 أيار/ مايو من العام الجاري مع أسرة زوجها، بسبب تصعيد القصف على قريتهم:”أصيب منزلنا بضربة طائرة، فتهدم ليصبح على الأرض بشكل كامل، ولأن المغارة التي اختبئنا فيها قريبة منه، فقد تهدمت فوقنا على إثر الضغط”.

كما أفاد الناشط  فياض الصطوف من قرية اللطامنة بريف حماة الشمالي:” معظم المشافي في المناطق المحررة تم إنشاؤها ضمن جروف صخرية على شكل كهوف ومغاور لتفادي الضربات الجوية الصادرة من  النظام السوري وحلفائه الروس، يبد أنه لم تقيها من جحيم القصف الجوي خصوصا من الطيران الروسي الذي يتعمد استهداف المشافي والمنشآت الحيوية في المحرر بصواريخ خارقة للتحصينات”.

 وأضاف الصطوف:” منذ التدخل الروسي كثير من المشافي خرجت عن الخدمة مرات متكررة، جراء الاستهداف الجوي لها وخلال حملة التصعيد الأخيرة على مناطق ريفي #حماة وإدلب. حيث تم توثيق خروج أكثر من خمسة مشافي عن الخدمة منها مشافي #كفرنبل الجراحي ومشفى حاس ومشفى المغارة في كفرزيتا ومشفى اللطامنة الجراحي بفعل استهدافها من قبل الطيران الروسي بصواريخ مخصصة لاختراق التحصينات رغم كونها محصنة ضمن جروف صخرية متينة مما ادى لانقطاع الخدمات الطبية عن مناطق واسعة”.

قد تحمي من القصف ولكن…

المغارة مكان مؤهل لانتشار الرطوبة داخله بشكل كبير، مما يؤدي لانتشار رائحة مزعجة، بجانب نقص كمية الأوكسجين فيها لأنها تحت الأرض، ناهيك أن أشعة الشمس لا تصلها. كل ذلك جعلها سبباً لإصابة من اختبئوا فيها بالأمراض، وذلك ما أكده بعض الأشخاص لعيني عينك، تقول عائدة(23) عاما :”منذ بداية قصف قريتي كفرسجنة بالطيران في صيف 2012، صار أبي يجبرني على النزول إلى المغارة، خوفاً علي من ضربة أو شظية، بالأخص أن بعض البيوت تهدمت على إثر القصف فوق رؤوس أصحابها. كانت المغارة تغص بالناس، ذاك الذي يسعل وذاك الذي يصرخ، جو لا يحتمل، كما أنها رطبة، تسببت لي بحساسية وحكة شديدة لا تحتمل، في وقت من الصعب أن تجد طبيب أو صيدلية، استمريت على ذلك شهرين، ثم سافرت إلى إدلب حتى تعالجت، حيث أكد لي الطبيب أن المغارة هي السبب”.

يكمل أبو مصعب (40) عاماً من حيش :”أنا معي مرض الربو، وفي نفس الوقت أرتعب من صوت الطيارة، فألجأ إلى المغارة الموجودة في القرية، ما إن تمر ربع ساعة أشعر وكأني “فرطت”، إذ أني أبدأ بالاختناق، فأخرج ثم أعود، وهكذا حتى يبدأ الناس بالصراخ علي، لإني شوشتهم، كما أنه بكل مرة يفتح باب المغارة يتبعونني الأطفال، ليفروا منها، فيتطلب منهم بذل جهد لإعادتهم، بالأخص أن الأطفال يضجرون من المغاور، لما فيها من تقييد لحركتهم”.

وتضيف قمر، طالبة بكلوريا من قرية معرة حرمة:”اختبئت ذات مرة في المغارة ربع ساعة، فخرجت منها “مبرغتة”، لأنها بدون باب ودخل إليها كلبان دون أن ينتبه أهل الحي إليهما، فتسبب بانتشار البراغيث داخلها”. ويسرد خالد:” “فطس” جو المغارة،  رطوبة مع قلة أوكسجين، أناس كثيرة ونواح نساء، وجال تدخن مع بكاء أطفال، للحظات أشعر بأن الطائرة مع براميلها أهون من الاختباء بها”.

ويبقى موضوع الالتجاء إلى الكهف والمغاور شاهداً على الظرف المروع الذي يعيشه الأهالي في مساحات شاسعة من الأراضي السورية في ظل حملات القصف الجوي المستمرة التي ينفذها انلظام السوري بمساندة روسية. وتبقى هذه الأماكن رغم صعوبة الإقامة فيها حلاً قد يحمي حياة المدنيين من الملتجئين إليها والذين يحاولون إضافة بعض التعديلات على المغاور، للتقليل من السلبيات، وجعلها مكاناً مقبولاً نوعاً ما، كتزويدها بالإنارة، و تلييس جدرانها بمادة الإسمنت، بالإضافة لبخها مراراً بالمبيدات الحشرية.