مصدر الصورة: عبد الرزاق شكيردي/وكالة الأناضول

رند الشامي (عيني عينك) – تختلف العدالة الانتقالية عن العدالة التقليدية في كونها تعنى بالفترات الانتقالية والتحول المجتمعي، كالانتقال من حالة النزاع المسلح او حرب الى حالة السلام والديمقراطية أو من حالة انهيار النظام القانوني الى إعادة بنائه بالترافق مع إعادة بناء الدولة، أو الانتقال من الحكم الديكتاتوري الى حالة الانفراج السياسي والانتقال الديمقراطي وحالة الانفتاح والاقرار بالتعددية، وبذلك تعتبر العدالة الانتقالية هي الصلة  بين مفهومين أساسيين هما  الانتقال أو التحول  والعدالة.

هناك الكثير من الناس يعتقد أن العدالة الانتقالية هي أقل وصولاً للعدالة المطلقة  من التقليدية وهذا مفهوم خاطئ حيث أن العدالة الانتقالية لا تختلف عن التقليدية في احقاق الحق وإعادته الى أصحابه، وفي كشف الحقيقة ومن ثم جبر الضرر وتعويض الضحايا، وخصوصاً لما له علاقة بالقضايا السياسية والمدنية العامة.

فكل شخص متضرر يجد العدالة في مكان معين و بتحقيق مطالب بعينها فمثلاً:

 السيد ياسر الددو الذي فقد زوجته و أربعة من أبناءه وحفيده و زوجة ابنه يقول: ” إن تحقيق العدالة بالنسبة لي هو سقوط العصابة الأسدية المجرمة و محاكمتها ابتداءاً  بالمجرم بشار الأسد الذي يعتبر هو المسؤول الأول عن كل ما حصل في سوريا  و انتهاءً بالطيار الذي أطلق صواريخه على عائلتي”.

أما السيدة أم علي التي فقدت ابنها نتيجة تفجير إرهابي قامت به عناصر داعش تقول: ” لا يوجد شيء يعوضني عن ولدي . حتى لو تحققت العدالة و تم محاسبة قاتلي ولدي محمد. ما هي الفائدة ؟ فولدي لن يعود وحياتي لن تعود كما كانت من قبل. لن تتحقق العدالة في الأرض أبداً و لن أصفح عن قاتلي ولدي أبداً . أشكوهم الى الله فقط. أشكوهم الى الله”.

أما السيدة أم صطوف التي فقدت شقيقها وأحد أبناءها. أما ولدها الاخر فما يزال معتقلاً في سجون النظام منذ ثمان سنوات تقول: ” لن يعود من فقدناهم لكني آمل من الله  أن أشاهد صطوف حراً طليقاً إن لم يكونوا قد قتلوه في السجن. أتمنى أن نبدأ في تطبيق العدالة الانتقالية كي لا نخسر من تبقى على قيد الحياة حتى لوكانت خطوة مؤلمة لكن الاستمرار في القتل والقتل المتبادل هو أكثر إيلاماً. علينا أن نفكر بعقولنا لا بقلوبنا”.

يقول الشاب عدنان مستو20 عاماً: ” استشهد والدي و أخي الكبير في قصف الطيران على منزلنا و اثنان من إخوتي تم تصفيتهم في سجون الأسد وتم تهجيرنا مؤخراً الى الشمال السوري. استشهد منذ شهر تقريباً أخي محمد الذي هو قائد كتيبتي و عاهدت الله ثم أمي أن أكمل طريقه حتى أنتقم له و لجميع أفراد أسرتي أو ألحق بهم شهيداً بإذن الله”.

ولدى سؤالي له عن رأيه في العدالة الانتقالية أجاب مبتسماً : ” لم أسمع بهذه العدالة من قبل . العدالة هناك فقط (وأشار بيده الى السماء)”.

السيدة ايمان الشرتح مشرفة مكتب تمكين المرأة في تجمع أنا انسان الذي كان له عدة نشاطات حول العدالة الانتقالية تقول : ” تلعب مؤسسات المجتمع المدني دوراً كبيراً في إنجاح خطط العدالة الانتقالية في سوريا من خلال نشر الوعي القانوني و تقديم التسهيلات لإجراءات المحاكم و في توثيق الجرائم و الانتهاكات و بإمكانها الاشراف على سير العدالة الانتقالية و تقديم المساعدة و المشورة للجان تقصي الحقائق و تشجيع الضحايا لتقديم شهاداتهم و التمثيل لقضاياهم و رفع الدعاوي للانتقال بسوريا من حالة الاستبداد الى حالة الديمقراطية و المدنية وفق دستور يصون حقوق الجميع”.

وفيما يخص البدء بمرحلة العدالة الانتقالية  وما هو الطريق لذلك تقول المحامية نصرة الأعرج : “إن البدء بتطبيق العدالة الانتقالية يحتاج الي إرادة حقيقية لذلك وآليات عمل من أجل ذلك ومن هذه الآليات هي الدعاوي الجنائية وتتمثل بمحاكمة كبار المسؤولين المتورطين في جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة من كل الأطراف وتشمل أصحاب القرار في القيادة و الأمراء من ضباط الجيش وجهاز الاستخبارات والشرطة والأمن ضمن محاكمات وطنية سورية خاصة تنشأ لذلك، والحكم وفق القانون السوري والاستفادة من القانون الجنائي الدولي، وبإشراف المنظمات الحقوقية الدولية والعربية والأمم المتحدة، كي لا تتحول إلى محاكمات انتقامية. ومن الممكن اللجوء الى المحكمة الجنائية الدولية لاحقاً من أجل محاكمة كبار مرتكبي جرائم الحرب في سورية، إن قامت هيئة الحكم الانتقالي المزمع تشكيلها وفق القرار 2254 بالتصديق على نظام روما لعام 1998 وأعلنت قبولها باختصاص المحكمة الجنائية الدولية للجرائم التي تقع ضمن صلاحياتها والمرتكبة قبل تاريخ الانضمام (المواد 11و12 من نظام روما). دون أن ننسى أن الجرائم التي تقع ضمن اختصاص هذه المحكمة لا تسقط بالتقادم (المادة 29 من نظام روما).

ومن آليات العدالة الانتقالية السريعة أيضاً جبر الضرر. وذلك بتنفيذ برامج إعادة الحقوق والتعويضات لضحايا سياسات النظام وحزبه وأجهزته القمعية، قبل الثورة وأثنائها. وتشمل التعويض المعنوي والمالي. اذ لابد من اعادة الممتلكات التي سلبها نظام الأسد الأب والابن من المواطنين الضعفاء أو المناهضين للنظام القمعي ومنحها لأصحاب النفوذ أو لشراء الولاءات.

وهنالك آليات أخرى للعدالة الانتقالية بعيدة المدى، وذلك لتعقيد إجراءاتها وحاجتها لفترات زمنية طويلة، كلجان تقصي الحقائق، وإصلاح المؤسسات. بالنسبة للجان تقصي الحقيقة المراد تشكيلها في سوريا عليها أن تكون مختلطة، وطنية وعربية ودولية وبإشراف خبراء دوليين مستقلين وبمراقبة المنظمات الدولية والأمم المتحدة وبمرسوم من الحكومة الانتقالية وذات صلاحيات واسعة، ويكون تمويلها وطنياً تحسّباً لأي تأثير أو أجندة. مهمتها كشف الحقيقة للسوريين والعالم وتقديم سجل تاريخي للانتهاكات ضمن المعايير المؤسس لها. هذا فيما يتعلق بالقضايا والانتهاكات الجسيمة والكبيرة. وتشرف كل لجنة على الموضوع المنتهك او الجريمة المراد كشفها ابتداءً من استلام النظام وحزبه السلطة، ومروراً بالثورة وحتى انتهاء النزاع بين الطرفين وتشكيل الحكومة الانتقالية. ويمكن الاعتماد على مكاتب التوثيق التي عمل لها ناشطوا الثورة السورية بشرط ان تكون قد راعت معايير التوثيق المعتمدة دولياً. . إلا انه يجب الاخذ بعين الاعتبار ان لجان التحقيق تتناول الوقائع التي يمكن ان تكون موضوعاً للمحاكمة. ولا يمكن ان نساوي بينها وبين الهيئات القضائية، ولا يمكن ان تكون بديلاً عنها. اذ ان هذه اللجان هي هيئات غير قضائية، وصلاحياتها أقل بكثير من سلطة المحاكم، فليس لها سلطة السجن وليس لها سلطة تنفيذ توصياتها. ويمكن القول: إن لجان التحقيق هي رديفة للمحاكم. وتتقصى هذه اللجان الانتهاكات للحقوق السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية للسوريين حتى تلك الانتهاكات التي حدثت قبل الثورة عام 2011 كمجزرة حماه 1982م، وجريمة حرق سجن الحسكة 1993م. ناهيك عن الإعدامات والقتل خارج القضاء في سجون سوريا – كسجنيّ تدمر وصيدنايا مثلا -وكذلك الانتهاكات بحق المعتقلين في سجون النظام، والكشف عن المتورطين في تلك الانتهاكات، والمؤسسات المسؤولة عنهم. وكذلك الجرائم الاقتصادية، كنهب المال العام وتسخير موارد البلاد في الحرب لقمع الثورة، والإقصاء العرقي والقومي بحق الأقليات والمكونات غير العربية، والاستيلاء على ممتلكاتهم، كالاستيلاء على الأراضي التابعة للأكراد في الجزيرة 1974م، وإعطائها لعرب الغمر، والكشف عن الجريمة السياسية المتوحشة في (انتفاضة القامشلي) بحق الكرد 2004. ونظرا لكثرة الانتهاكات التي حدثت في سورية قبل الثورة وخلالها ولصعوبة او استحالة محاكمة كل من انتهكَ حقوق المواطن السوري وارتكب الفظائع، يمكن الاستفادة من التجربة المغربية بخصوص الانتهاكات التي حدثت في سورية قبل 2011، اذ أُنشئتْ في المغرب هيئة الانصاف والمصالحة، في سياق البحث عن حلول واقعية لمعالجة حقيقة للانتهاكات الجسيمة التي تخللت سنوات الرصاص (1956- 1999) والتي ذهب ضحيتها العديد من الناشطين السياسيين والحقوقيين. وقد قدمت نموذجا للعدالة الانتقالية يهدف للوصول الى إرساء الحقيقة وجبر الضرر الفردي والجماعي والكشف عن حقيقة حالات الإخفاء القسري والاعتقال السياسي وإصدار توصيات لتفادي تكرار الانتهاكات مستقبلا، دون ان يكون لها الحق في تحريك الدعاوى القضائية ضد المنتهكين. وقد ساهمت التوصيات التي انتهت اليها الهيئة في وضع المسار الديمقراطي في المغرب على السكة الصحيحة.

أما آلية إصلاح المؤسسات فهي عملية طويلة مهمتها تحويل مؤسسات القضاء والشرطة والجيش والاستخبارات إلى مؤسسات نزيهة في خدمة العامة والشعب وتعمل على حفظ السلام وتمتين القانون وسيادته. وتعتمد بشكل فعلي على إصلاح القطاع الأمني والتطهير المؤسسي، وتدقيق الاختيار والإشراف والتأهيل، ونزع السلاح والتسريح وإعادة الاندماج. وهذه هي إجراءات الإصلاح المؤسسي التي يجب إتباعها لتعود المؤسسات إلى الشعب وتتطهر من سيادة حزب البعث والأجهزة الأمنية والفاسدين والمتورطين في ما آلت إليه سوريا.