ت: سيرين مصطفى

سيرين مصطفى (عيني عينك) – كثير من الأسئلة تراود كل من يتابع أخبار #إدلب وريفها من الخارج، حول كيف يعيش الناس في ظل الموت مثلاً؟ وعن ما جلبته الحرب على المنطقة، ما الذي يدفعهم للتمسك بأرضهم إلى الأن، وكيف يصبرون على ذلك؟

في الوقت الذي تتعرض فيه إدلب للقصف اليومي، يصرّ السكان على متابعة حياتهم ما أمكن بنوعٍ ما من الطبيعية، فتلك التي تذهب إلى جامعتها، وآخر يفتتح مشروعه، كما تشهد المنطقة محاولات لإعمارها من جديد وفي كل المجالات، وإن كان بأدوات بسيطة، سواءً في الناحية التعليمية أو الثقافية والفنية وغيرها، فنجد مثلاً الدورات التدريبية والمشاريع التعليمية والمهنية، إلى جانب دورات التمكين والتوعية، كذلك في مجال الفنون والثقافة، مثل التدريب على المسرح والمعارض الفنية والتشكيلية. ومن آخر تلك المبادرات الفنية، معرض “القلوب المبصرة”، و معرض “فنانون من بلدي” إلى جانب العمل حالياً على تصوير مسلسل كوميدي على أرض محافظة إدلب.

المشهد الأول

وقف عدد من الناس في مدينة إدلب في شارع الجلاء، أول سوق الصاغة، باستغرابٍ، والابتسامة مرسومة على وجوههم ناظرين إلى مجموعة من الشبان، ترافقهم كاميرا وستاند ومايك وغيرها من العدة والتحضيرات، التي توحي بأنهم يحاولون أن يصوروا مشهداً تلفزيونياً.

من كواليس تصوير مسلسل: “بيت العيلة”
ت: سيرين مصطفى

ربما كانت تلك أول مرة يشاهدون فيها عملية التصوير أرض الواقع، في مكانٍ التهمت الحرب فيه و منذ آكثر من ٨ سنين، ذاكرةً وبشراً وبيوتاً، إذ من غير المتوقع بعد ما مرت به تلك المحافظة من حرب ومعاناة أن تنطلق على أرضها بعد سنين طويلة مبادرة فنية على شكل إنتاج مسلسل كوميدي.

“يوميات العيلة”

المسلسل بعنوان “يوميات العيلة” وهو عبارة عن مسلسل كوميدي من تأليف ضياء عسود وإخراج عبود الشامي، يحكي عن شابين لا ينعمان بكثيرٍ من الحظ في الدنيا ويواجهان مصاعب كبيرة، كعدم توافر فرص العمل وعدم وجود المال، فالعائلة فقيرة، تتألف من شابٍ وجدته وصديق الطفولة.

“عيني عينك” التقت بمخرج المسلسل عبود الشامي، وهو شاب من دمشق درس المسرح فيها و خرج منها في عام 2011 بسبب ظروف الحرب. ثم عمل على إخراج أكثر من 8 مسرحيات منذ عام  2018  وحتى الآن، مثل “الوالي وصياد البحر، والعقل السليم في الجسم السليم، والله غالب، و الأب البخيل، وعبود السمين وطب القاطع.”

 وعن التجربة الفنية الجديدة يقول: “المسلسل يناقش عدة قضايا منها غلاء البيوت، و غلاء المعيشة المترافقة مع ارتفاع سعر صرف الدولار في المنطقة، بمعنى أشمل فالعمل يتحدث عن الظروف الاقتصادية التي تمر بها المنطقة، كما نهدف إلى إعادة الفن إلى الداخل السوري سواء المسرحي أو الدرامي”، مضيفاً:” من العوامل التي شجعتني على القيام بهذه الخطوة، وجود نسبة من الشباب الموهوبين في المنطقة؛ هناك مواهب من المؤسف أن تبقى مدفونة، حتى وإن لم يكن هناك داعم، لذلك نحاول أن نصنع شيء، لعلنا نقدم رسالة هادفة وصحيحة للمجتمع بشكل عام”. وعن سبب اختيار النفس الكوميدي يقول: ” الناس بحاجة للضحك و متعطشة لهذا الشيء. إذ ملّت من فواجع الحرب، ومعظم الأشخاص حالياً تتكلم عن الحرب وما يحصل خلالها، لدرجة أنهم على وشك أن  ينسوا الضحك والسعادة، لذلك نحاول رسم الضحك على وجوههم عن طريق المسلسلات والمسارح”.

ويكمل الشامي: “طاقم العمل يتألف من 15 شاباً؛ مصورين اثنين، ومونتير، ومخرج وكاتب، مع ممثليّن تم اختيارهم وتدريبهم على فن الإلقاء، وخضعوا لتمرينات على مستوى عالي، وأجرينا لهم دورة إعداد ممثلين، ونحن نعتمد على توزيع الأدوار التي تناسب الشخص، ليكون  قادراً على تجسيدها بشكل صحيح و أفضل، فكل ممثل له كاريزما خاصة، أما المعدات عبارة عن ترايبود، ومايك مع حامل له، إضافةً إلى كاميرا نيكون 7000، وبالنسبة لأماكن التصوير، فهي مناطق عامة في المحافظة بعد أن مُنحنا الموافقة على التصوير من قبل الجهات المعنية”.

أما بالنسبة لظروف العمل المادية أخبرنا مخرج المسلس الشامي: ” لا يوجد حالياً داعم أو راعٍ للعمل. بالتأكيد لو وجد منتج أو داعم لكان العمل تم تصويره بشكل أضخم. أما بخصوص أجور الممثلين، فإن الشبان المشاركين في المسلسل يعملون بأجر تطوعي، حتى نتخطى التجربة الأولى. صورنا أول حلقة لكي يتم الترويج والتسويق للعمل. وإذا تم تسويقه لأحد الجهات، سنثابر ببقية الحلقات. لدينا هدف واضح، وعندنا خطة لتسويق أول حلقة وإذا تمت كما خططنا، ستكون بوابة كبيرة لأعمال قادمة”.

تنوعت آراء الناس المنحدرين من إدلب حيال تلك التجربة، يقول سليم (25) عاماً وهو مغترب في أوروبا: “جميل جداً أن نسمع عن مثل ذلك الشيء يحدث في بلادنا، على الأقل يشعر المرء أنه يوجد أمل برجوع الحياة لطبيعتها وازدهارها في جميع المجالات مما يشجعنا على العودة”، بينما قال سامر (30)عاماً من مدينة إدلب: “أرى أننا في وضع غير مناسب لتلك التجارب الفنية، الأولى أن نهتم بالنازحين ومتضرري القصف وغيره، مثل تلك التجارب لن تقدم ولن تؤخر، أو بالأحرى ماذا ستسفيد إدلب والمناطق الخارجة عن سيطرة النظام بشكل عام”، يخالفه بالرأي لؤي (40) عاماً من إدلب: “فكرة ممتازة، فليعرف العالم أننا هنا مدنيون، أناس طبيعيون، عندنا أحلام وطموحات ومواهب ولسنا “إرهابيين” كما تدعي بعض وسائل الإعلام”.

للفن دائماً رسالة هامة

في حديث معه ذكر الكاتب مصطفى تاج الدين الموسى لعيني عينك: “إن النشاطات الثقافية والإبداعية والفنية التي تزداد مع مرور الوقت على الرغم من الظروف السيئة في إدلب، تعطي رسالة مهمة للعالم، أن هذه المدينة وجزء كبير من أهلها، يحب الفن وبعضهم يجيده، على خلاف الصورة النمطية التي يحاول النظام تقديمها للعالم على أن إدلب هي بيئة حاضنة للتطرف والإرهاب. هذه المشاريع الفنية بحاجة لدعم، فغالباً يعمل أصحابها دون أدنى دعم، و بإمكانيات فردية خاصة، وأعتقد أن إدلب بحاجة لفن يأتي من هذه المحافظة، يعبّر عن أحوال الناس، الذين أتعبتهم الحرب التي يشنها النظام عليهم منذ سنوات، ولم يفقدوا حبهم للفن، على الأقل جزء جيد منهم، على أمل أن ينتبه العالم للصورة الأخرى لإدلب من خلال هذه الأعمال الفنية. ويعمل على دعمها بكافة الوسائل والطريق”.

الناشط الإعلامي فادي شباط أشار من جانبه إلى أن أكثر المبادرات الخاصة بالقضية السورية تُركز على العمليات العسكرية كخبر روتيني دون أن تتطرق إلى انعكاساتها على تفاصيل الجوانب الإنسانية و الاجتماعية. إنّ إنتاج مسلسل من الداخل كمبادرة تعرض قضايا اجتماعية تمس الإنسان بالدرجة الأولى في المناطق “المحررة” من أهم المبادرات التي يجب أن تحظى بدعم مفتوح، لعلها تساهم في التخفيف من أعباء السوريين في الداخل، وتعرض القضايا دون تسييس.