Source: The New York times

إناس سرحان (عيني عينك) – في زمن الحرب تنقلب المفاهيم وتتغير المبادئ، ليصبح جل ما يتمناه المرء هو النجاة من قصف طائش او رصاصة غادرة، ويصبح أقصى الأحلام هو تحصيل لقمة العيش وهذا ما أوصل عشرات الآلاف من الاطفال السوريين داخل وخارج البلاد إلى حالٍ تركو فيها مدارسهم تحت ضغط الظروف المعيشية الصعبة. فلم يكن السوري القاطن في تركيا بحال أفضل من نظيره في سوريا  وبدأت هجرة السوريين لتركيا هرباً من الموت منذ بدايات الثورة السوربة ثم تعددت الأسباب لتشمل البحث عن عمل.

الطفل السوري بين النزوح والاستغلال

لاشك بأن الوجود السوري في #تركيا جعل الكثيرين من أرباب العمل يستغلون حاجة السوري لكسب قوت يومه. يروي أبو عمر قصته: ” أخذت أطفالي وذهبنا إلى تركيا هرباً من القصف الذي طال قريتنا التي تقع في #جبل_الزواية ورغبة مني في استكمال تعليم أطفالي، ولكن كنت بحالة وسن جعلاني غير قادر على العمل في تركيا فاضطر ابني الأكبر عمر الى العمل بدلاً عني، كنت أسكن في مخيم #أورفة بتركيا وكان ولدي محمد في الصف الرابع. أكمل تعليمه للصف التاسع لكن بعد إغلاق المخيم اضطر لترك المدرسة التي كانت تكاليفها عالية جداً خارج المخيم، وبعد تركه للمدرسة التحق بالعمل مع أخيه في قطاع الإنشاءات وهو من الأعمال الشاقة والمتعبة جداً لكن ليس باليد حيلة”.

أبو محمود أب لخمسة أطفال أكبرهم محمود ذو الخمسة عشر عاماً الذي سبق عائلته الى تركيا هاربا من الفقر المدقع الذي تعيشه العائلة في عام 2017، ومن ثم لحقته عائلته بعد عام يقول: “حاجة العائلة للطعام والشراب أصبحت جل ما نتمنى تأمينه فلم نعد نستطيع التفكير بشيء آخر أنا وأطفالي الأربعة نعمل بمصنع في#اسطنبول. كنت أتقاضى 1500 ليرة تركي وأولادي محمود ومحمد يتقاضى كل منهما 800 ليرة بينما أحمد وشادي يتقاضى كل منهما 600 ليرة تركي. كنا جميعنا في العمل نفسه وهو تغليف الالبسة. ولكن دائماً الولد يكون راتبه أقل بكثير من راتب البالغ على الرغم من أن الكثير من الأطفال يقومون بنفس المهام التي يقوم بها الكبار ويعملون لمدة تقارب الـ 12 ساعة باستراحة قصيرة”. يتابع أبو محمود : “بسبب الأحداث الأخيرة في اسطنبول وماحدث فيها من ترحيل للسوريين غادرت وعائلتي من اسطنبول وذهبنا إلى #غازي_عنتاب “. يصمت أبو محمود قليلاً ثم يتابع: “ابني أحمد كان تلميذاً مجداً في دراسته عندما كنا في #سوريا ودائماً كان معلمه يطلب مني أن أعتني به وبمدرسته وتعليمه فعندما خرج من سوريا كان قد أتم الفصل الأول من الصف الرابع وعندما دخلنا إلى تركيا حاولت جاهداً أن أضعه في المدرسة لكن لم أستطع بسبب التكلفة الباهظة التي يحتاجها التعليم هناك بالاضافة لعدم قبول المدرسة لأحمد لكونه لايحمل الكملك  الذي لايزال استخراجه متوقفاً من اسطنبول بقرار من الحكومة التركية الأمر الذي دفعني لإلحاق أحمد بإخوته للعمل في المعامل وحتى عندما انتقلت إلى غازي عنتاب أردت أن أعيد أحمد للمدرسة ولكن طلبي قوبل بالرفض أيضاً لعدم حمله الهوية التركية وهاهو الآن يعمل مع إخوته في أحد المعامل”.

“سارة ” تلك الطفلة المتفوقة التي اضطرت هي وعائلتها للذهاب لغازي عنتاب بعد أن قررت الحكومة التركية  إغلاق مخيم أورفا قامت والدتها بارسالها للمدرسة فور وصولهم لمكان سكنهم الجديد، تقول والدة سارة : “كانت المدرسة مسلكية مهنية في البداية لم أعارض ذلك ولكن وبعد زيارتي الأولى لمدرسة ابنتي قررت أن أخرج ابنتي من المدرسة لأن الغرفة الصفية لم تكن تحوي غير سارة وصديقة لها والباقي ذكور وهذا لايتناسب العادات والتقاليد الخاصة بعائلتنا، وبعد ترك سارة المدرسة شعرت بفراغ كبير قررت بعد ذلك ملأه بعمل يساند العائلة فقمت بجلب بعض الملابس للبيت والعمل هو وضع الخرز على تلك الملابس وأيضاً وضع الخرز على الأحذية وفق مايطلبه صاحب الورشة. استطعنا بذلك سد الكثير من حاجاتنا اليومية بالاضافة لعمل زوجي”.

لم يقف العمل في تركيا على هذا الحد فحتى الأطفال الذين لم يتخلوا عن دراستهم استغلهم طمع أصحاب المعامل على الرغم من محاولات الحكومة التركية الحد من عمل الأطفال بالتضييق على أصحاب المعامل بهذا الشأن فقبول أصحاب المعامل بالأطفال في معاملهم كان بسبب أن الأطفال يعملون بأجور زهيدة جدا قياساً بالبالغين.

لم تمنع يدا محمد عيد الصغيرتين وحبه للمدرسة اضطراره للعمل في خارج أوقات الدوام فهو بحاجة للمال الذي يؤمن له مصروفه وتكاليف مدرسته الباهظة والتي لاتقدر عليها عائلته. طفل في الثانية عشر من عمره يثابر على دوام مدته 12 ساعة. ثم يعود لبيته منهكاً وجائعاً، لايملك الوقت ليلعب او يتسلى مع أحد فيكمل ماتبقى من ساعات يومه بالدراسة والتحضير ليوم مدرسته التالي. قسوة جعلت من محمد رجلاً وهو بعمر الثانية عشر، يفكر بما يحتاجه بعيداً عن اللعب والتفكير بعقل طفولي. كذلك عمر الذي تعاني عائلته من فقر مدقع ما اضطره الى العمل ولكن تعلقه بالمدرسة منعه من تركها فقصد العمل بعد دوام مدرسته وبعض الأيام يضطر للعمل الليلي.

ماذا قدمت الحكومة التركية ؟

ان الحكومة التركية حاولت بأساليب شتى منع العمالة للأطفال السوريين بحسب قول المعلمة رنا والتي تعمل بإحدى مدارس غازي عنتاب فتقول “ان الحومة التركية لم تتهاون بموضوع عاملة الاطفال السوريين فعملت على محاربة هذه الظاهرة بطرق عديدة فمثلا اعطت لكل طفل يثابر على داوم متتال لمدة شهرين مكافأة بقيمة 100 ليرة تركية، كما انها عملت على استكمال الدوام بأشهر العطلة الصيفية بعمل ناد صيفي وهو عبارة عن انشطة ترفيهية لتجذب الاطفال للمدارس الصيفية وتمنعهم عن العمل بالصيف ،وفي نفس السياق قال ابو محمود ان الحكومة التركية كانت بين كل حين وأخر ترسل دوريات للمعامل تفتش في ما اذا كانت تعتمد  على اطفال بالعمل في مصانعها ويتابع قائلا ان صاحب المعمل الذي اعمل به انا واطفالي اتفق معهم بأن ينذرهم حال قدوم البوليس الى المعمل وهم يهربون من باب قد اعده صاحب المعمل مسبقا لهذاالغرض.

  من المسؤول

أخصائية الحماية الانسة حلا عزت هذه المشكلة لعدة اسباب كالمنظمات والجمعيات التي لم تهتم ولم تأمن حتى تكلفة مدرسة  الطالب السوري من كتب ومستلزمات مدرسية تقدر باسعار باهظة لاتقوى عليها الاسر النازحة والتي انهكتها قرار الحكومة التركية في اعتبار السوري بحماية مؤقتة ولم تعطه حق الجوء على اراضيها الامر الذي جعله يتحمل تكاليف معيشته وجعل استغلاله أمراً متكرراً ولم يقف استغلال العائلة السورية الفقيرة من قبل رب العمل التركي فحسب بل ساهم بعض من أرباب العمل السوريين في ظاهرة استغلال الأطفال الذين يسهل تكليفهم بأعمال اضافية مقارنة بمن هم أكبر سناً ممن يتمتعون بمعرفة أكبر لحقوقهم وواجباتهم.