إيمان داراني (عيني عينك) – الخلية المجتمعية هي الأسرة التي هي أساس البناء الاجتماعي، و التواصل الأسري يعني حالة من التوحد بين أفراد الأسرة، والتفاعل الكامل بينهم وتبادل الخبرات مع بعضهم البعض حتى تصبح   لغتهم  واحدة، ومفاهيمهم ومشاعرهم مشتركة، مما ينعكس  على حاضرهم ومستقبلهم، والتواصل الأسري هو من أهم مقومات المجتمع السليم، فهو عمود بنائه ليكون متماسكاً متيناً سوياً.

يعيش أكثر من عشرة ملايين من السوريين ما بين بلاد اللجوء ومناطق النزوح، بسبب الحرب الدائرة منذ ما يقارب العشر سنوات، مما أدى  لتمزق الأسر بين بلاد اللجوء و سوريا، وانقطاع السبل بالكثير ممن لا يستطيعون العودة لبلادهم خشية ملاحقة النظام السوري لهم أو لاستهداف مناطقهم من قبله، وخاصة فئة الشباب منهم، وانحصر تواصلهم مع عائلاتهم عن طريق شبكات التواصل التي لا يخلو استخدامها من خطورة على من يسكن في مناطق النظام، حيث الملاحقات والاستخبارات لصالح النظام، مما اضطر الكثير لقطع التواصل أو التحايل بحسابات وهمية.  
‘أم حامد’  من ريف دمشق تقيم مع زوجها في دمشق، أما اولادها الاربعة  فقد تفرقوا في البلدان، هروبا من الخدمة العسكرية، ومن الاعتقال التعسفي، تتواصل مع أبنائها عن طريق حساب وهمي على الفيس بوك، تتحدث عن كيفية تواصلها مع أبنائها :”هذا التواصل لا يتعدى الاطمئنان، فأنا وزوجي بعد أن بلغنا من الكبر وضعف الجسم ما بلغنا، أصبحنا بحاجة لوجود أبنائنا معنا، لا الحديث معهم عن بُعد فقط”.
تتنهد هنيهة ثم تتابع:”أخشى أن اموت قبل ان أجتمع بهم”.
اما السيدة  ‘أم محمد’  من ريف دمشق والتي هجرت مع  زوجها وأطفالها إلى الشمال، فتعتبر أن :”مالا يدرك كله يدرك جله، فالشبكات الاجتماعية تتيح التواصل مع الأقارب والأصدقاء وتقوي الروابط بينهم :”حتى بتنا نتشارك الأحداث والأخبار بالصور والفيديوهات عبر المجموعات، حتى الأحداث اليومية والشخصية لكل فرد من الأسرة جميعنا على دراية بها، متجاوزين المسافات الجغرافية، وحتى الأفراح والأعراس أيضا نحضرها عبر اتصال فيديو، وأظن ان المستقبل للتواصل عبر النت لا التواصل الفيزيائي، لأنه أوفر للجهد والوقت، ولسهولة تبادل الخبرات فيه، وتوسيع العلاقات بشكل أسهل”.
أما ‘هيفاء’  من مدينة إدلب فنرى ان التواصل الأسري ضمن الشمال المحرر أصبح عبر النت رغم القدرة على التواصل الفيزيائي :”فاستمرار القصف مع حركات النزوح المتكررة وتكاليف المواصلات وصعوبتها أدت لاعتماد الكثير من الأسر الاجتماعات العائلية الافتراضية” حسب تعبيرها.
الشاب ‘محمد الشيخ’  المهجر من ريف دمشق والذي يعمل في مجال الصحة النفسية والمجتمعية  يقول :”سميت بشبكات التواصل الاجتماعي لما تتيحه من التواصل مع الأصدقاء، وتقوية الروابط وتبادل الخبرات والأخبار، لكن
تلك المواقع أثّرت سلباً على العلاقات الأسرية، وساعدت على اتساع الفجوة بين أفراد الأسرة  وزادت من التفكك الأسري، مؤكداً أنها زادت من الشعور بالوحدة والعزلة الاجتماعية والاكتئاب وعدم الثقة في النفس، خاصة أن التواصل عبر الشبكات يفتقر إلى اللغة غير المنطوقة (لغة الجسد و ما يصحبها من تعابير) لذلك تفتقر إلى الوضوح خاصة فيما يتعلق بـ (معرفة المشاعر والاحاسيس المصاحبة للكلام )”.
لذلك يرى أنه يجب عودة نمط الأسرة إلى البيت السوري، وضرورة اللقاءات الفيزيائية بين أفراد العائلة.

لكن الكثير يرى أن  شبكات التواصل لها الفضل في الترابط الأسري في مثل الحالة السورية، وأن القول بأنها سبب التفكك الأسري هو نوع من التعميم الغير دقيق، فلا يخفى أثرها على قطاعات واسعة من الأسر السورية مقطعة الاوصال  خارج البلاد في التواصل المستمر والدائم مع أبنائهم، وتقليص الشعور بالغربة، ولا يمكن تجاهل  أثرها أيضا في الكثير من مجالات الحياة كالثقافة والفنون، و مساعدتها على التطوّر الفكري لفئة الشباب السوري المهجر من خلال الاختلاط مع الآخر والتفاعل مع المتغيّرات، وإذابة الحواجز بين الشعوب.

يتابع ‘محمد الشيخ’ :”ما نفتقده في العلاقات الاسرية الافتراضية دفئ العاطفة ودفئ المصافحة والعناق، وما ينتج عنه من راحة نفسية والشعور بالقوة، والتخفيف من مشاعر الكبت عند  أفراد العائلة، لينشأ مجتمع أفراده قادرين على احترام مشاعر بعضهم البعض، وخلق حالة من الود والمحبة بينهم”

والملاحظ أن  المتأثرين الأشد من فقد العلاقات الأسرية الفيزيائية هم فئة  الأطفال الذين كتب لهم أن يكبروا في أحضان اللجوء  او النزوح، بعيد عن مجتمعهم.
تقول ‘زهراء’ وهي فتاة في عقدها الثاني من مهجري ريف دمشق :”أسمع من الكبار عن الزيارات والاجتماعات العائلية، وارسم بمخيلتي أجواء الفرح والسرور الذي كان يصحبهم أثناءها، واتمنى ان أعايش هذه الأجواء كما عايشها الكبار، لا أشعر بمشاعر الحب العميق تجاه من تفصلني عنهم المسافات  من عائلتي و يقتصر التواصل معهم عبر النت “
في السياق نفسه أقيمت ندوة  خاصة لمثقفات و جامعيات من مختلف الاختصاصات يعملن في سلك التربية والتعليم في الشمال السوري المحرر  عن التأثيرات المجتمعية  للانقطاع العائلي، ويتلخص ما وصلن إليه من التأثيرات السلبية إلى أن  الانقطاع الأسري او اعتماد التواصل الافتراضي يؤثر على الموروث الأخلاقي والادبي والديني  للعائلة  والمجتمع وبه يغيب الوازع الاجتماعي الذي يضبط تصرفات الأفراد ضمن قوانين أخلاقية توافقية في المجتمع الواحد، كما يمنع توريث الأبناء عادات وتقاليد الأجداد من خلال التربية والتنشئة الاجتماعية، والاحتكاك والتفاعل بين مختلف الأجيال، فالتواصل الإنساني لا يضاهيه أيّ تواصل إلكتروني، حيث يبني جسور من التفاعل البنّاء، ويعزز الثقة بين أفراد المجتمع الواحد، مما يتيح تنفيذ مشاريع انمائية مشتركة، تحقق طموحات أفراده.
وفي جواب لسؤالنا هل يعتبر التواصل عبر النت صلة رحم أجابت السيدة ‘عائشة’ ليسانس شريعة  وعاملة في سلك التربية والتعليم :”صلة الرحم حثّت عليها الشريعة الاسلامية كما حثّت عليها جميع الشرائع السماوي، وقد خصصت الوالدين بالصلة والتذلل لهما، فبحال بعد المسافات يمكن أن يكون التواصل الافتراضي جزء من صلة الرحم، اذ أن صلة الرحم لا تكون فقط بالزيارات بل تكون بتفقد أحوال الأقارب و مساعدتهم، أما بالنسبة للوالدين  فيجب على الأولاد بذل الوسع في القرب منهم، إذ أن حاجة الوالدين قرب أولادهم منهم وليس مجرد الزيارة او الاتصال عبر الهاتف، أما في حالة السوريين المبعدين فالصلة تكون بالمستطاع”.
والسؤال الآن هل يمكن للتواصل الافتراضي أن يحل محل التواصل الفيزيائي ؟ وهل يمكننا القبول به كحل فرضته الأوضاع الراهنة؟