حقوق نشر الصورة: وكالة رويترز/تصوير بسام خبية Credit...Bassam Khabieh/Reuters دوما

إيمان ديراني (عيني عينك) – يحمل أحد الإعلاميين بين يديه ورقة كتبت عليها كلمة، ويقف قبالته أطفال من سن العاشرة حتى الرابعة عشرة، يسألهم عما كتب على الورقة. المشهد هذا صوّرته الكاميرا في فيديو بثته إحدى القنوات الاعلامية، وبدت عيون الأطفال تتأمل الكلمة ثم تنظر بانكسار إلى المذيع وبتلعثم يقول أحدهم: “والله ما بعرف اقرأها”
“ولله انا ما رحت ع المدرسة”
“هون ما في مدرسة”
 وآخر قال: “حرف الغين؟”  مستفسراً، ثم أردف: “ما بعرف شو مكتوب”.

التقرير السابق مصور في أحد المخيمات، وعدد الأطفال الذين تم سؤالهم في التقرير حوالي العشرة. بعد أن استعرضت الكاميرا الأطفال، التفتت الى السائل وأظهرت محتوى الورقة، و قد كتب عليها كلمة (الله).
يعتبر التعليم من أول القطاعات التي تهمل وتتضرر في زمن الحروب، ما ينذر بكارثة إنسانية بالنسبة للأطفال، فلا تتوقف المعاناة السورية على القتل والتدمير، بل تتعدى ذلك إلى تردي مستوى التعليم، وانعدامه في بعض المناطق، الأمر الذي يضع آلاف الطلاب أمام مستقبل مجهول، ويضع مستقبل البلاد برمتها أيضا أمام مجهول يسوده الجهل والضياع.
يتعرض الريف الجنوبي لإدلب في شمال سوريا منذ أكثر من ستة أشهر لقصف هيستيري، أدى لنزوح وهروب مليون و27 ألف نازح، مع استمرار نزوح العائلات إلى الحدود السورية التركية كما أعلن منسقو الاستجابة.
هذا العدد يفوق القدرة الاستيعابية للمنطقة من حيث عدد البيوت وحتى المخيمات، مما انعكس سلباً أيضا على المدارس ومراكز التعليم في المدن و المخيمات.
 
وبما أن الكثير من النازحين يفترشون الأرض تحت ظل أشجار الزيتون فإن تفكيرهم سينحصر في أهم الضرورات، وحسب هرم (ماسلو) في تدرج الاحتياجات، فإن التعليم لن يلقى منهم أدنى اهتمام، إذ أن الحاجة الأبرز اليوم للنازحين هي تأمين المأوى قبل موسم الشتاء، الذي بات قاب قوسين أو أدنى منهم، في ظل عجز المنظمات الإنسانية عن تأمينها، بسبب كثافة النزوح في الفترة السابقة واستمرارها إلى اليوم، مع حاجة كبيرة أيضاً إلى المياه النظيفة، والصرف الصحي، وخاصة في المخيمات العشوائية الجديدة.

يعلّق “محمد” محفظته المدرسية  – وهو طفل في العاشرة من عمره نزح مع أهله من خان شيخون – على غصن الزيتون بعد أن جمع قرطاسيته القديمة المبعثرة تحت شجرة الزيتون، تنظر والدته إلى محفظته بعيون يملؤها الأسى، و تضرب كفاً بكف: “مسكين يا ولدي، مازلت تظن أنك ستذهب إلى المدرسة؟!  فلنجد خيمة تسترنا أولاً”.
لكن الخبر الذي يصنف الأقسى من نوعه على الشمال، هو ما ذكره فريق منسقي استجابة سوريا في بيان له منتصف شهر سبتمبر/أيلول من العام الجاري؛ أن الجهات المانحة أعلنت وقف دعمها لمديريات التربية والتعليم في إدلب وحلب وحماة، مؤكداً حرمان أكثر من 840 مدرسة ضمن المراحل التعليمية المختلفة من الدعم، مشيراً إلى أن القرار سينعكس سلباً على نحو 350 ألف طالب وطالبة، وسيُحرمون من التعليم.
رغم أن مخيمات شمال إدلب تعاني أساساً من قلة الدعم للمشاريع التعليمية  سابقاً_ أي قبل الحملة الاخيرة على مناطق خفض التصعيد_ حيث أنه لا تناسب بين أعداد المدارس مع أعداد الأطفال المتزايد في المخيمات، فقد بلغ عدد المدارس في المخيمات في نهاية عام 2018 –  التي تمّ تقييمها من قبل باحثي وحدة تنسيق الدعم ACU في تقرير لها – 226 مخيم موزع على 8 تجمعات في محافظتي حلب وإدلب احتوت على 72 مدرسة فقط، توزعت كافة المدارس ضمن 62 مخيم فقط، فيما لم تتواجد مدارس ضمن 164 مخيم آخر.

وبعد أن تأخر افتتاح المدارس قرابة الشهر، يمضي شهر آخر أيضا على الأطفال في المدارس بدون جدوى.
الطفلة ‘ليان’ في الصف الثالث الابتدائي، تعود كل يوم من المدرسة بمحفظة فارغة إلا من دفتر لم يفتح بعد، وقلم لم تُضطر لبريه أيضاً، فالمدرسة كما تروي والدتها أشبه بملعب للأطفال، منها لمكان تعليمي، فلا كتب ولا معلمين  سوى المدير والمشرف،  ولكن المدير يعطيهم الأمل بتحسن قادم، وإلى ذلك الحين يجب على الطلاب الالتزام بدوام المدرسة، أما الكتاب المدرسي فهو أيضاً أحد أهم العقبات أمام الطلاب، إذ تُطبَع الكتب بأعداد محدودة، مما يضطر الطلاب لاستخدام كتب غير صالحة للدراسة بسبب اهترائها من كثرة الاستعمال.

 محمد الحسين، معاون مدير التربية في إدلب يتحدث لـ(TRT) عربي في مقال تحت عنوان  هكذا أثرت حرب إدلب على قطاع التعليم: “حوالي 372 مدرسة خرجت عن الخدمة خلال الحملة الأخيرة من قبل النظام السوري وحلفائه على أرياف #إدلب كذلك تغص كثير من مدارس ريف إدلب الشمالي بالنازحين الذين تهجروا من أرياف إدلب و #حماة خلال الأشهر الأخيرة”.

عائلة أبو عمر نازحة من ريف إدلب الجنوبي آثرت مأوى من الاسمنت ولو للمبيت الليلي فقط على الخيمة. حيث أنهم سكنوا مدرسة  في معرة مصرين شمال إدلب مع عدد من النازحين منذ أشهر، وفور افتتاح المدارس خرج الجميع إلى خيام في مخيمات عشوائية، وبقي أبو عمر وعائلته، وفي كل صباح يُخرج أطفاله من المدرسة بعكس باقي الأطفال، فلم يسعفهم الحظ في مقعد دراسي فيها بسبب ازدحام الغرف الدراسية التي باتت مأوى ليلي فقط للعائلة، حيث يقضون نهارهم في سيارتهم الزراعية بجانب المدرسة.

تبقى الصعوبة الأشد التي تواجهها عملية التعليم في الشمال، هي قلةُ الكوادرِ التعليمية المؤهّلة التي تتولى أقدس مهمة، وهي إعداد النشء، و الكثير من الكوادر ورغم قلة كفاءتهم آثروا ترك المهنة والبحث عن عمل يقيهم الفقر بعد توقف الدعم، وباتت المدارس أشبه بسجن للأطفال بضع ساعات كل يوم، مما ينذر بخطر كبير على الاطفال أقله التسرب المدرسي، وأفظعه الجهل  الذي سيودي بمستقبل جيل  كامل.
السيدة ‘ام أنس’ مدرّسة لغة عربية في مدارس الفوعة تقول:”أتمنى أن لا أتوقف عن التدريس لكن الحاجة تضطرني لذلك “
تحاول ‘أم أنس’ أن لا تنقطع عن طلابها وتواصل مساعدتهم في أوقات فراغها، فتستقبلهم في بيتها بضع ساعات في الأسبوع،
لكن مبادرات فردية وجماعية تحاول التغلب على هذا الواقع بما أوتيت من قوة وحيلة، المدرّسة ماجدة والتي تعمل معلّمة في مدرسة ابتدائيّة شمال إدلب، تقول :”لن أتوقف عن التدريس كمتطوعة، فالجيل أمانة في أعناقنا وعدم تعليمهم يعني لا مستقبل لأطفالنا بمجتمع متطور، ونامل أن يتراجع الإتحاد الأوربي عن قرار قطع الدعم”.
من جهة أخرى أطلق مجموعة من ناشطات المجتمع المدنيّ وعدد من المعلّمين والمعلّمات في محافظة إدلب، حملة مناصرة تحت عنوان “لا تكسروا قلمي”  في 25 أيلول/سبتمبر 2019، وذلك للفت أنظار المجتمع الدوليّ والمنظّمات الإنسانيّة إلى ضرورة إعادة  الدعم للتعليم،  و تطالب الجهات الدوليّة المانحة، الاتّحاد الأوربي والأمم المتّحدة، بأن تتحمّل مسؤوليّاتها الأخلاقيّة والانسانية، وتدعم استمرار العمليّة التعليميّة لأنّها الخيار الأمثل لحماية الأطفال.

تضمنت الحملة  وقفة احتجاجيّة أمام مبنى مديريّة التربية والتعليم في محافظة إدلب في 28 أيلول/سبتمبر 2019، ورفع لافتات تطالب بعودة الدعم للتعليم، وتؤكد أن خيار التعليم هو الخيار الأمثل لحماية الاطفال من العمالة ومن التجنيد في صفوف الفصائل المسلحة.
تتضمّن أيضاً الحملة نشر فيديوهات لناشطات وأطفال تنبّه إلى ضرورة إعادة الدعم إلى مديريّة التربية والتعليم في محافظة “إدلب”. ويتمّ نشر الفيديوهات الخاصّة بحملة “لا تكسروا قلمي” على صفحة “صوتك ثورة” على الفيس بوك.
وفي مدرسة “أم القرى” في مخيم دانا بالقرب من معرة النعمان، ورغم القصف وضعف الإمكانيات، أصرّ عدد من المثقفين المتطوعين في المخيم على افتتاحها، وضمت عدد من الخيام ووصل عدد الطلاب من ذكور وإناث إلى أكثر من 200 طفل في مرحلة التعليم الأساسي.  السيد “ممدوح اليوسف” وهو أحد متطوعي المدرسة يقول: “المدرسة بحاجة لكل مقومات التعليم من كتب وقرطاسية وسبورات، والأهم نحن بحاجة لمبنى، فالخيام لا تقي حر الصيف ولا برد الشتاء، ولكن رغم كل شيء ماضون في عملنا”.

و مع استمرار تدمير عملية التعليم في الشمال السوري بقصف المدارس وحرمان المدرسين من لقمة عيشهم يترقب آلاف من الأطفال في المخيمات من يعيد لهم أدنى حقوقهم في تعليم جامع وآمن.