ت: سيرين المصطفى

سيرين المصطفى (عيني عينك) – لا يخلو وسط العمل على اختلاف أنواعه وأماكنه من الاستغلال، حيث يتم استغلال المرء، إما لضعفه أو عجزه أو بسبب حاجته، وتزيد فرص الاستغلال وقت الأزمات، كالشمال السوري وخاصة في الوسط الإعلامي، بسبب قلة فرص العمل التي تزامنت مع الحاجة الماسة للمورد المادي في ظل الحرب الدائرة على المنطقة وما جلبته من ظروف سيئة.

يظهر ذلك جليّاً بسرقة الحقوق الفكرية، فمثلا يكتب الصحفي/الإعلامي أو يصور مادة، فيقبض جزءاً من ثمنها، ثم تنشر باسم شخص أخر. أو تنتشر باسم الصحفي نفسه لكن مع نقص في أجر المادة، طبعا يتم ذلك باتفاق الطرفين، إذ يقبل الطرف الأول مرغماً، خصم هذه العمولة في سبيل استمرار العمل وكسب لقمة العيش، مما يمكن الطرف الثاني من استغلاله فيفرض شروطه ويحقق أهدافه على حساب جهد الصحفي الأساسي “صاحب الفكرة والقلم”.

قصص من استغلال إعلاميين في الشمال السوري

(رندة) وهو اسم مستعار لفتاة في الثالثة والعشرين من عمرها من كفرسجنة بريف #إدلب الجنوبي، وهي متدربة في حقل الإعلام، وكان دافعها الأقوى هو الحصول على منبر لانتقاد السلبيات التي تغزو المجتمع، ونقل معاناة النساء، خاصةً من المطلقات، والمحرومات من التعليم، والنسوة الواقعات تحت ضغط العادات والتقاليد، وغيرها من المواضيع. ولأنه ليس من السهل الحصول على فرصة في الميدان الإعلامي، خصوصا إذا كانت الإعلامية في بداية طريقها العملي، ولا تعرف ألية التواصل مع المواقع المعروفة والمهمة، فقصدت رندة إعلامياً من مدينة #كفرنبل (رفضت الكشف عن هويته)، كان يكتب مع كثير من المواقع، فعرض عليها أن تسلم له موادها، فيعدل عليها ثم تنتشر باسمه مقابل 30%من التعويض المادي، وأن يقوم بتسليمها المال المستحق بعد مرور 6 أشهر.

ويروي مصور آخر: “أملك كاميرا وأحب التصوير، وعملت كإعلامي مع مراكز إعلامية ومنظمات ثم توقفت، وذات مرة صورت مادة فيديو، ولم أكن أعمل حينها مع أي جهة، فكان همي أن تنتشر المادة فقط ولا يذهب تصويرها سدى، فتواصلت مع فتاة كنت أتابعها على الفيس بوك، تنشر دائما مواد متنوعة مع مواقع كثيرة، فطلبت منها أن تقوم بربطي بأحد المواقع التي تعمل لصالحها، فأجابت بأن ولا واحد من المواقع بحاجة إلى فري لانس، كما عرضت عليّ المال مقابلها، فأعطيته لها ورفضت البدل المادي فنشرته  باسمها، وفيما بعد علمت أن ذلك الموقع بالتحديد الذي نشر المادة ليس لديه مشكلة بأن يأخذ مواد من غير مراسليه”

يروي أحد نشطاء الميدان الإعلامي: “أنا نازح من #الغوطة ومقيم في بيت بالإيجار، كما أنه لدي عائلة والتزامات مادية، لذلك أنا بحاجة ماسة للعمل، لذلك أقبل أن أصور مواد فيديو وأقوم بعمليات المونتاج ثم أعطيها لإعلامي آخر دون أن تدوّن باسمي وبالمقابل أتقاضى مبلغ من المال، لا أعلم إذا كان ذلك خطأ أم صواب، الظروف هي من أجبرتني على ذلك”.

وللحديث أكثر عن هذه الظاهرة، عيني عينك التقت بالصحفي أكرم الأحمد (رئيس مجلس إدارة ميثاق شرف الإعلاميين) الذي ابتدأ بالحديث عن العقبات التي تعترض الإعلاميين في الميدان الإعلامي داخل سوريا، ويقول الأحمد: “لا يمكن إحصاء الصعوبات بدقائق، فالوضع الأمني يأتي بالمرتبة الأولى، والإعلامي معرض للملاحقة سواء في مناطق النظام أو مناطق الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام، والتي تكون نتيجة طبيعة عمله أو آرائه أو انتماءات المؤسسة التي يعمل بها، وتوجهاتها، بالإضافة  للمواضيع التي يتناولها، التي أحياناً من شأنها أن تضر بعض الفئات المتنفذة في منطقته، مما يجعله عرضة للملاحقة، كما أن الصحفي في الداخل السوري مثله مثل أي سوري يعاني من قصف ونزوح ومعاناة و وضع اقتصادي سيء….إلخ.”.

كما أشار الأحمد إلى عدم وجود آلية تنظيم للعمل الإعلامي، إلى جانب نقص الخبرات لدى بعض الناشطين في الداخل، فالناشطين في الخارج أتيحت لهم فرصة بالتدريب واللقاء مع منظمات ومع صحفيين محترفين ونيل فرص عمل جيدة، بينما الناشط في الداخل الذي هو أساس الرسالة الإعلامية بما يتعلق بالوضع في سوريا لم تتح له تلك الفرص، فلم يأخذ نصيبه من التدريب، ومن الاحتكاك مع الخبرات الأجنبي”.

وأضاف:” الناشط داخل سوريا هو الحلقة الأضعف على الغالب، محروم من عقود العمل على الغالب، ويعمل مع المؤسسات دون أدنى الحقوق تكفله. في الفترة الأخيرة أصبح لدينا ظاهرتين سلبيتين، أولها زيادة عدد النشطاء الإعلاميين مما أثر على نوع المادة وجودتها، نتيجة الحاجة للعمل. بالأخص أن كثير من الشباب اضطروا لترك جامعاتهم، فحاول البعض منهم أن يجد فرصة بالعمل الإعلامي، ليمارس دوره بالمجتمع أو الثورة أو كفرصة عمل، ذلك خلق عشرات الأشخاص العاملين في هذا المجال، وأعتقد أن العدد قد وصل لأكثر من ألف إعلامي في إدلب وريفها، ومع هذا الكم الكبير من الناشطين والباحثين عن عمل، والباحثين عن مواد إعلامية أدى إلى الاستسهال او “استرخاص” عمل هذا الصحفي داخل سوريا “. وأشار إلى أن من أسباب الاستغلال الرئيسية تراجع الدعم عن المؤسسات الإعلامية، في 2016 كان عدد المؤسسات الإعلامية المعارضة يتجاوز 400 ما بين راديو وتلفزيون وموقع، أما الآن لا يتجاوز سبعين إلى ثمانين مؤسسة. هذا الفارق الكبير بالعدد مع انخفاض الدعم الذي أدى لإغلاق العشرات من المؤسسات، أثر على مراسليها وكوادرها مما قلل فرص العمل بالمقابل. وأدى وجود المئات من النشطاء الإعلاميين دون عمل بالكثير من الأشخاص والجهات لاستغلال الناشطين الباحثين عن فرصة”.

وعن العلاقة بين صحفيي الخارج والداخل يكمل الأحمد: “لدينا حالة الصحفي خارج سوريا الذي يأخذ نتاج عمل النشطاء في الداخل بأثمان بخسة وبسيطة، فأحياناً يكون لدينا صحفي يعمل براتب عالي يكون له صحفي مساعد داخل سوريا، هذا الناشط يقدم للصحفي المواد الصحفية والإعلامية الأساسية من صور وتقارير، وبالمقابل فإن الصحفي الخارج سوريا يعمل على إنتاجها وإخراجها بشكل جيد أو احترافي لكن مع فروق بالأسعار ترجح لصالح من هو بالخارج “

الاستغلال ليس فقط من الناشط في الخارج، هناك حالات صحفيين في الداخل يعملون في مؤسسات إعلامية إقليمية ومحلية، يتبعون نفس الأسلوب مع زملائهم في حال استعانوا بهم للعمل مع تلك المؤسسات، من أخذ حقوق فكرية أو مادية حسب الاتفاق المبرم بين الطرفين والذي غالباً ما يكون مجحفاً.

يصف الأحمد تأثير هذا الاستغلال على الجودة الصحفية والرسالة الإعلامية: “طبعا هذه الظروف أثرت كثير على المادة الإعلامية وعلى الرسالة الإعلامية وفحواها، طبعا بالإضافة لعشرات العقبات التي تواجه الإعلاميين من انترنت وكهرباء وصعوبة التنقل والظروف الاجتماعية، والحالة الأخيرة من التشوش وعدم الثقة بالناشط بسبب خلط الناس ما بين الناشط الإعلامي والصحفي وبين العامل مع المنظمات، هذا الأمر أثر على عمل الصحفي وذلك بسبب امتهان الاعلام من غير الاختصاصين و الشباب الصغار غير المتدربين على العمل الإعلامي وتقديم نفسهم كصحفيين، مما أثر على الصحفيين بالداخل و أثر على العمل الإعلامي بنفس الوقت.”

لإهمال الحقوق الفكرية أثر سلبي قريب وبعيد المدى

في حديثنا مع الصحفي أكرم الأحمد نبّه إلى أن قبول بيع المواد دون ذكر اسم الشخص (التنازل عن الحقوق الفكرية) له آثار كبيرة سلبية، منها أنه سوف يكون لدينا شخص لامع ومكرّس كصحفي واعلامي دون أدنى مقومات العمل الصحفي وذلك بجهود شخص أخر، بينما آخرين هم أصحاب العمل والفكر سيبقون مغمورين ودون اعتراف بخبراتهم وعملهم، وبالتالي الشخص الخطأ سوف يكون بالمكان الخطأ، كذلك سوف يؤثر على الكوادر وعلى على الجودة المهنية للمادة، بالإضافة للمهنية في المؤسسات الإعلامية، إلى جانب ضياع الحقوق وانتشار هذه ظاهرة السلبية غير الاخلاقية، في الوقت الذي  يفترض أن تحفظ أدنى الحقوق لهذا الصحفي وهي ذكر اسمه على مواده وإنتاجه.

وعن الحلول يقول الأحمد:” أنصح الصحفيين والمتدربين على الصحافة، بأن يعملوا على أنفسهم وأن يطوروا قدراتهم المهنية، وألا يتنازلوا عن حقوقهم الفكرية مهما كان وضعهم المادي سيء. كذلك يوجد نقطة هامة على النشطاء في الداخل أن يعملوا على تجميع أنفسهم، كنقابة بديلة مثلاً أو رابطة، حتى يكونوا كتلة إعلامية أو كتلة نشطاء تستطيع أن تدافع عنهم وتحمي حقوقهم، وأن يشارك الصحفي مع زملائه المعلومات حيال المؤسسات المهنية التي تلتزم بالقواعد المهنية وتلك التي لا تلتزم بها. كما أنصحهم بأن يعملوا لصالح مؤسسات محترمة ولها جمهور مع ضرورة وجود عقود عمل واضحة، مقابل بأن تكون حقوقهم الفكرية محفوظه حتى ولو عملوا بشكل تطوعي، قد يكون الكلام صعب لأن الجميع يحتاج المال والراتب الشهري المنتظم”

وفي ختام لقائنا يقول الأحمد: “نحن في ميثاق شرف الإعلاميين السوريين وأنا كرئيس مجلس إدارة ميثاق شرف الإعلاميين، نسعى لحل هذه المشكلة من خلال إيجاد لجنة شكاوى تتلقى شكاوى من الناس الذين تعرضوا لسرقة حقوقهم الفكرية، وشكاوى عن المؤسسات التي تنشر أخبار زائفة أو تنتهج خطاب كراهية أو تسرق مواد، في سبيل المحاولة للتخفيف من هذه الظاهرة”.