صورة توضيحية

سلمى محمد (عيني عينك) – تم الإعلان عن تشكيل اللجنة الدستورية بتاريخ 16 أيلول العام الحالي في قمة #أنقرة التي ضمّت كلاً من الرئيس التركي ونظيريه الروسي والإيراني، وتم الحديث أن اللجنة ستباشر عملها في أقرب وقت.
وكان المبعوث الأممي إلى سوريا “غير بيدرسون”  قد دعا إلى انعقاد أول اجتماعاتها في جنيف في 30 أكتوبر الحالي.

وكان اقتراح تشكيل اللجنة قد طُرح من قبل #روسيا في مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عُقد في مدينة #سوتشي أواخر كانون الثاني لعام 2018 بشأن الحل السياسي في سوريا، على أن تكون مهمة اللجنة الدستورية صياغة دستور يسهم في التسوية السياسية برعاية الأمم المتحدة.
تتكون اللجنة من 150 عضواً، 50 يمثلون النظام السوري، و 50 يمثلون المعارضة، و50 تختارهم الأمم المتحدة ممثلين عن منظمات المجتمع المدني.
وتتألف اللجنة المصغرة (وهدفها الصياغة) من 45 عضواً بواقع 15 من كل مجموعة، وبرئاسة مشتركة من النظام والمعارضة.
وبحسب ما تم تسريبه، فإن أي قرار لهذه اللجنة يحتاج لموافقة 75% من الأعضاء، أي 113 عضو بالنسبة للجنة الـ 150، أما بالنسبة للجنة المصغرة فيجب تصويت 34 من أصل 45، وهذا يعني في ضوء التوزيع العددي للأعضاء ، فأي قرار من المعارضة يحتاج لموافقة كل ممثلي المعارضة والمجتمع المدني و13 عضواً من الموالاة، والعكس صحيح.
وكان قد ظهر بعض الخلاف أثناء تشكيل اللجنة حول بعض الشخصيات وحول رئاسة اللجنة، ووافق النظام في النهاية بضغوطات روسية على مبدأ الرئاسة المشتركة للجنة.

تسوّق روسيا للجنة على أنها الحل الوحيد للأزمة السورية، وتحاول اختصار العملية السياسية بصياغة دستور جديد وإجراء انتخابات، كما تريد أن تكون اللجنة وفق مرجعيات أستانا وسوتشي فقط، لكن الأمم المتحدة اشترطت اعتماد اللجنة على مخرجات مفاوضات جنيف، كما اشترطت أن يكون مؤتمر سوتشي لمرة واحدة فقط حتى لا يصبح بديلاً عن مسار جنيف.

وقد رأى معلقون أن هناك الكثير من المعوقات أمام اللجنة، فمن سيجبر النظام على تطبيق الدستور الذي سيتم وضعه؟ فالنظام لم يكن يطبق الدستور السابق، والأجهزة الأمنية والمخابرات تعتبر نفسها فوق كل القوانين والمواد الدستورية، وبحسب ما نشره موقع مركز دراسات الشرق الأوسط ORSAM، فإن القوات الأمنية زارت عوائل أعضاء اللجنة الدستورية من ممثلي المجتمع المدني المقيمين بالخارج في ظل وجود أهاليهم بالداخل السوري، وتم تهديهم إما بالانسحاب أو الرضوخ لطلبات النظام، وهذا ما أكد عليه “ديمستورا” حيث قال: “شهدنا عمليات اختطاف لأفراد من عوائل بعض المشاركين بلجنة صياغة الدستور”.
إن الدستور كمخرج وحل للأزمة السورية لا يعول عليه دون ثقافةٍ دستورية، ودولة وأجهزة تحترم القانون وتصون الدستور.
من جهة أخرى تبرز معوقات لإنجاز هذا الدستور، خاصةً مع إصرار المعارضة على وضع دستور جديد يقلل ويحد من صلاحيات رئيس الجمهورية، ويحدد الجهات المخولة بالسيطرة على الجيش والأجهزة الأمنية، وترغب المعارضة تحويل نظام الحكم إلى برلماني أو مختلط وهذا ما يرفضه النظام، ويطلب إجراء تعديلات على الدستور الموجود فقط، ويتمسك بدستور 2012، ويقول أنه يحقق مطالب المتظاهرين، ومنها إلغاء المادة الثامنة التي تنص على أن حزب البعث هو القائد للدولة والمجتمع، وتحديد ولاية الرئيس بولايتين “بحسب الموقع السابق نفسه”.


يبرد أيضاً خلافٌ حول آلية العمل والتصويت، فالنظام يريد أن تُتخذ قرارات اللجنة كتوصيات يتم تمريرها والموافقة عليها من قبل مجلس الشعب السوري الحالي، أما المعارضة فتريد أن تكون قرارات اللجنة نافذة وملزمة للأطراف بحيث يتم اعتمادها أممياً كمسودة لدستور جديد للبلاد.

الآراء في أوساط المعارضة تباينت بين مؤيدٍ للجنة الدستورية وبين رافضٍ لها على اعتبارها خطوة لإعادة تأهيل وتمكين نظام بشار الأسد.
حيث وقع 219 مثقف وناشط من بينهم مفكرون وكتّاب وسياسيون عريضة ترفض فكرة اللجنة جملةً وتفصيلاً، ومن بين الموقّعين الرئيس السابق للمجلس الوطني السوري “برهان غليون” الذي كتب في صحيفة العربي الجديد : “من الواضح أن الهدف من هذه اللجنة لم يكن صياغة دستور يعيد توحيد السوريين المتنازعين، ولا إعادة بناء سوريا التي لا تزال تمزّقها الحرب، الداخلية والخارجية، وإنما التغطية على غياب الدستور، بالتوافق مع الهدف الأول لرعاة إنشائها، وهو إعادة تأهيل النظام القائم والحيلولة دون التغيير السياسي المنشود”.
وأضاف الكاتب: “المطلوب هو لجنة شكلية توحي بانتهاء حقبة الحرب والدخول في حقبة السلام الذي يحتاج الروس القائمون على الأمر السوري إلى تأكيدهما من أجل تكريس مكاسبها والحصول إذا أمكن على إجازة إعادة الإعمار من الدول الممولة، ومن وراء ذلك شرعنة النظام الجديد الذي أنتجته الحرب، والذي يجمع بين مصالح البيروقراطية العسكرية والأمنية، والمليشيات المحلية والأجنبية ومصالح الانتداب الأجنبي، الروسي والإيراني، والضامن لمصالح أطراف دولية مشاركة في ترتيب دعم المشروع الجديد وتمويله”.

بينما قال عضو اللجنة الدستورية “ياسر الفرحان” في مقابلة له مع وكالة الأناضول: “تشكيل اللجنة يُظهر بأن النظام لم يعد يتمتع بالشرعية القانونية الكافية ليحكم سوريا، الشرعية متنازع عليها بين النظام والمعارضة، وهذه أول مرة بشكل عملي يقبل النظام تحت الضغوط بأن ينفذ هذه الإجراءات”.

رئيس المركز السوري للدراسات القانونية “أنور البني” وفي مقابلة تلفزيونية مع قناة “أورينت”، وصف اللجنة الدستورية بأنها مجرد خدعة، لاعتباره إياها التفافاً على القرار الأممي  2254، الذي نص على مرحلة انتقالية وحكومة ذات مصداقية، واعتبرها البني تجاوزاً لقضية المعتقلين والحصار والتجويع، واعتبر أن التمسك باللجنة الدستورية ما هو إلا لإعطاء النظام وروسيا المزيد من الوقت.

رئيس هيئة التفاوض السورية المعارضة “نصر الحريري” اعتبر تشكيل اللجنة الدستورية بالإنجاز الحقيقي، وقال في تصريح لصحيفة المدن اللبنانية “تشكيل اللجنة الدستورية انتصار للشعب السوري”.
ما أثار غضب عدد كبير من نشطاء الثورة الذين اعتبروا أن معارضة الخارج بعيدة عن مطالب الثوار الحقيقية، ومنفصلة عن الواقع.
واعتبروا تشكيل اللجنة الدستورية خيانة للثورة، وخيانة لمليون معتقل، ومليون شهيد، و10 ملايين مهجر، واعتبروها خطوةً للنيل من مطالب الشعب السوري الذي انتفض لأجل حريته، ومسوغاً لترك القاتل دون محاسبة.
الباحث والكاتب السياسي “ماهر شرف الدين” قال في لقاء على قناة الجزيرة: “مباركة نصر الحريري للشعب السوري بما أسماه انتصار كبير، لا يكشف فقط عن حجم الهوة التي تفصل بين الشعب السوري وبين الذين تصدروا المعارضة، أيضاً يكشف عن العقلية التي تحكم هؤلاء”.
وأردف قائلاً “أليس من المعيب أن تقوم المعارضة بكتابة دستور والنقاش حول الدستور؟ كيف سيكون دستوراً ديمقراطياً وفي سوريا مليون معتقل ومغيب قسرياً في سجون النظام”. ثار الشعب السوري في آذار/2011 وطالب بحقه في الكرامة والحرية، وواجه النظام الشعب بالقبضة الأمنية، والحلول العسكرية، وبعد أكثر من ثمانية أعوام من القتل والاعتقال والتشريد والتهجير، واستخدام كافة أنواع الأسلحة المحرمة دولياً بحق الشعب، يخرج المجتمع الدولي ليبارك خطوة تشكيل اللجنة الدستورية، ويعتبرها خطوة في طريق حل الأزمة السورية السياسية، متناسياً كل ما مر به السوريون من عذاباتٍ وآلام، وكأنهم بذلوا كل تلك التضحيات فقط لتغيير الدستور الذي سيركنه النظام على رفوف مكاتبه قبل أن يجف حبره، ويعاود مهنته في القتل والاعتقال.