صورة تعبيرية من الأرشيف

ريتا خليل (عيني عينك) – فوجئ أبو سعيد اثناء عودته من المسجد بعد صلاة الفجر بسيارةِ نقلٍ محملة بمتاع جاره مصطفى أبو حمد النازح من مدينة #كفرنبل تقف أمام منزل الأخير وتهمّ العائلة بركوبها، فأقبل على جاره مستفسراً، ليخبرهُ بأنه قرر العودة الى بلدته، يزيد من استغراب أبو سعيد بقرار جاره، أنّ لا هدنة قد وقعت وما زال القصف مستمراً فيسأل جاره عن هذا القرار غير الحكيم ليجيب : ” قد أكون مجنوناً نعم، لكن بقائي هنا دون عمل ودون مورد رزق والجوع ينهش أفراد عائلتي، أصعب من الجنون نفسه لهذا قررت العودة فموسم الزيتون بات على الأبواب، لربما أجد لي عملاً كمياوم في قطاف الزيتون”.

حال أبو أحمد هي حال الكثير من الأسر التي اضطرت للنزوح، فلا فرص عمل متاحة وما من جهات داعمة تستطيع سد حاجة العائلة بشكل تام، وما يتم توزيعه لا يكاد يكفي حاجة أسرة متوسطة العدد لعشرة أيام بأفضل حال.

البطالة وانعدام الموارد المالية ونفاذ المدخرات لدى أغلب النازحين، مترافقاً مع طول أمد النزوح دفع بالكثيرين من أمثال أبو أحمد لاتخاذ خيار العودة رغم ما يكتنف ذلك من مخاطرة ومجازفة، فالقصف الجوي وإن توقف اليوم، فالقصف المدفعي ما زال مستمراً، ولا يخلو يوم من خبر استهداف لمنازل المدنيين في قرى وبلدات ريف #إدلب الجنوبي المتاخمة للمناطق الساخنة وتمركز قوات النظام، رغم هذه الحال يضطر البعض لخيار العودة مكرهين، كما اضطروا سابقا لخيار النزوح مرغمين، فظروف الفقر والجوع لا تقل مرارة أو قسوةً عن الخوف والرعب التي يعيشه الناس تحت وابل القصف.

حكاية الشاب صادق وهو من أبناء معرة حرمة لا تختلف عن أبو أحمد، فيرى صادق في جلوسه مُجبَراً طيلة الأشهر الماضية دون عمل، عدواً يفوق بشار الأسد وزبانيه قساوة وإجراماً بقوله: “بما أنه كتب علينا الموت وكأنه قدر، فأنا أفضّل الموت في منزلي بين أهلي في قصفٍ مدفعي او جوي على أن أرى أولادي يموتون أمامي جوعاً، ولا أملك ما يسد رمقهم”.

يبدو أن شبح الموت قد فرض على أبناء الشمال السوري الثائر واقعاً كالقابع بين حجري الرحى، فمن جهة تطحنه أخطار القصف والمعارك، ومن جهة أخرى يحوم شبح الفقر والعوز فوق الرؤوس، لذا يختار البعض العودة معرضاً نفسه لخطر الإصابة أو الموت كما حدث مع الشهيد وجدي الحميدو من أبناء مدينة كفرنبل والذي اختار العمل على سيارة الأجرة التي يملكها لينقل متاع النازحين من المدينة باتجاه الشمال، فكان نصيبه أن قُتل بصاروخ أُطلق من مدينة الخان واستهدف سيارته أثناء تأدية عمله.

شاب آخر هو عثمان التعتاع من كفرنبل، فضّل البقاء على النزوح، لما عاناه خلال نزوحه من بطالةٍ وانعدامٍ في فرص العمل، فعاد إلى بلدته وأعاد افتتاح محلهِ كلحامٍ، يخدم من تبقى في البلدة من الأهالي، لينتهي به الحال شهيداً على أحد الطرق الزراعية، فكان أن تزامن مروره لجلب ذبيحه لبيعها، مع قصف مدفعي أودى بحياته.

على طول الطرق المحفرة والمتضررة في الشمال، سيرى المرء أسراً بكاملها تقوم بحزم أمتعتها قاصدةً قراها وبلداتها باحثةً هرباً من قصف، أو بحثاً عن مصدر رزق يقيها العوز، والكرامة من الوقوف مطولاً على باب الجمعيات والمنظمات الخيرية.

أبو عامر من بلدة حاس يقول: “إنه لأشرف عندي العودة إلى بيتي وأكل خبزة وبصلة، من وقفتي كل يوم على باب المنظمات والمجالس المحلية كُرمى لسلة إغاثية بالكاد تطعم أولادي، حينها حتى وإن لم نعثر على عمل، فأقلهُ سنوفر أجار البيت، لن يصير إلا ما كتبه الله لنا”. عودة قد تعني الانتحار، مجازفة تحمل في طياتها مخاطرة قد يعتبرها البعض ضرباً من الجنون لكن “من يتلقى العصي ليس كمن يعدها”، ومن يشاهد اطفاله يتضورون جوعاً وهو عاجز عن تأمين لقمة العيش الكريم لهم، سيدرك أي نار استجار بها من اختار العودة إلى رمضاء القصف في بلدته.