ريتا خليل (عيني عينك) – يرتبط شهر أيلول من كل عام بقدوم فصل الخريف حيث يستبشر الفلاحون في مناطق سوريا كافة مع قدومه المرتبط بالغيوم المحملة بالخير القادم، وقد ارتبط هذا الشهر بمناسبة أخرى اعتاد المواطن السوري عليها ومع حلول النصف الأول من شهر أيلول من كل عام ألا وهي قدوم العام الدراسي من كل الفئات العمرية.

بقدر ما تشكل هذه المناسبة من سعادة تكسو وجوه الأطفال، إلا أنها من وجهة نظر شريحة لا بأس بها من الأهالي تمثل مدفوعات إضافية وأعباء مادية جسيمة الحمل، تضاف الى تلك المرتبطة بقدوم فصل الشتاء؛ من مؤونة ومحروقات للتدفئة ولباس شتوي وغيرها.

لم تكن هذه الضغوط وليدة اليوم فهي موجودة منذ سنوات طويلة رغم كل ما كان ينسج من عالم وردي عن مجانية التعليم، إلا أنها اليوم تثقل بما لا يقاس كاهل المواطن، مع ما يعانيه من انعدام فرص العمل وندرة المداخيل المادية، يضاف لها ما حاق بالشعب السوري اليوم من نزوح قسري فاقم من المشاكل، وحوّل أسراً بكاملها من متوسطي الدخل ومحدوديهِ إلى العيش ما تحت خطوط الفقر.

وبنطرةٍ موجزةٍ، فإن إعداد التلميذ ليستقبل العام الدراسي يتطلب أموراً عديدة، يأتي على رأسها تأمين اللباس المدرسي، ومواد القرطاسية من دفاتر وأقلام وغيرها، وكل هذا يستدعي صرف مبالغ ليست بالقليلة بخاصة مع ارتفاع الأسعار التي تشهدها السوق لأسباب عدة، وتتابع انخفاض قيم الليرة السورية مقابل سعر صرف الدولار، والذي بات مقياساً لتسعير السلع وسط جشع التجار.

جورية العلي (أُم محمد) (35) عاماً، نازحة إلى باريشا في ريف #إدلب تصف ارتفاع أسعار اللباس المدرسي ومواد القرطاسية بالمجحفة مقارنة مع الدخل فتقول: ” ذهبت لشراء ملابس لأولادي الثلاثة في مرحلة التعليم الأساسي، ففوجئت بأسعار فاقت تصوري. تأمين الملابس لأولادي الثلاثة يستهلك نصف دخل العائلة لشهرٍ كامل، هذا طبعاً في حال تمكن زوجي من تأمين هذا الدخل أصلاً، فحال العمل شبه متوقف والفرص شبهُ منعدمة”.

باتت اليوم محلات البالة والألبسة المستعملة، والمنتشرة في عموم المدن السورية، بديلاً للألبسة الجديدة وبجودة مقبولة وأسعار أقل ارتفاعاً من تلك الجديدة المصنعة محلياً أو المستوردة، ووجدت أم صالح وهي نازحة إلى مدينة سلقين في البالات ملاذاً لتأمين مستلزمات أولادها الأربعة من لباس مدرسي حتى يتمكنوا من الالتحاق بمدارسهم في مناطق النزوح: “لولا البالة لم أكن لأستطيع شراء ملابس حتى لولد واحدٍ من أولادي الأربعة”.

ويستطيع المرء بمقارنة بسيطة أن يتخيل حال النازحين الأشد بؤساً وخاصةً أولئك ممن يقطنون خيمة في العراء، أو في مخيم يعج بالخيام؛ تأوي تحتها أسراً تركت خلفها منازلها وأثاثها بما في ذلك ملابسها، فظروف النزوح القاهرة وتحت وابل القصف الشديد لم تمكّن العديد منهم جلب متاعهم، في رحلة هربٍ نحو المجهول.

تروي وئام (32) عاماً “عندما اضطررنا لهجر منازلنا والهرب باتجاه الشمال، لم نكن نملك متسعاً من الوقت لنرتب حاجياتنا ونجلبها معنا، فاكتفينا بما هو ضروري وملّح وقتها، ولم يخطر ببالنا أن تطول الأزمة بنا حتى حلول العام الدراسي ونحن بالخيام.

تشارك نجاح هي الأخرى صديقتها وئام ذات المخيم وذات الهم تقول: “نزحنا بالملابس التي كنا نرتديها فقط، حتى أوراقنا الثبوتية لم يسعفنا الوقت لجلبها. كنا نظن أنها مسألة أيام معدودة ونعود، لكن المسألة طالت وامتدت أشهراً، وقد تستمر الحال على هذا أعوام والتفكير بالعودة لجلب ما تركناه خلفنا من متاع يحمِل مخاطرةً كبيرةً، حيث ما زالت منازلنا تتعرض للقصف، هذا إن لم تكن قد قصفت فعلاً”.

لم تشكل قضية لباس المدرسة لدى راميا هاجساً كبيراً هذا العام؛ لقد استغلت فرصة الهدنة الممنوحة لجلب ما تركته خلفها في بيتها الذي هربت منه، من أغراض وثياب، لكن ذلك لا يشمل الدفاتر والأقلام الضرورية والتي ما زالت حائرة في تأمين ثمنها لطفلها حتى الآن.

مع هذه المعاناة وفي ظل هذه الظروف القاهرة التي تراكم تبعاتها على كاهل المواطن السوري في مناطق النزوح، باتت المدرسة وقضية التعليم تقض مضجع عوائل كثيرة وتجعلهم في حيرة بين الاستسلام لظروفهم، ما يعني حرمان أولادهم من حقهم في التعليم، أو تأجيل التحاقهم بالعملية التعليمية حتى عامٍ آخر، وبين اقتطاع ثمن الأقلام والدفاتر من لقمة الخبز لتأمين حق هؤلاء الأبناء في نيل قسطهم من التعليم والدراسة مهما كانت الظروف، الظروف ذاتها التي تجعل من التعليم للأطفال خاصةً، حاجةً ملحّة تمكنهم من تجاوز صعاب الأيام القادمة، وتؤهلهم ليكونوا فاعلين في المجتمع وبناء ما دمرته الحرب في النفوس والمدن.