مظاهرة في إدلب. ت: إيمان ديراني

رند الشامي (عيني عينك) – تعرض مفهوم  العلمانية كغيره من المفاهيم  للتشويه، كونه يزعزع أركان التفكير الرجعي. كما  أن العلمانية كمسألة مطروحة على الشارع السوري منذ عدة سنوات في إطار التفكير في شكل الدولة القادمة  سواء من حيث تغيير ما هو قائم وسائد من استبداد وتحريف وتضليل وتصحر وحكم موصوف بالأقلوية  أو من حيث التطلع إلى ما أفرزته تجارب مشابهة والاستفادة من الرصيد العالمي لعديد البلدان على صعيد الحكم  المستند إلى العلمانية والعلاقات المجتمعية، إنما تمثل موضوعاً حيوياً  للتفكير والتفاعل الحر بين السوريين في هذه المرحلة من حياة الوطن واستقطاباتها في إطار  البحث عن الأفضل ما بين الممكن والمطلوب.

لكن  الكثير من أفراد المجتمع في الشمال السوري يتجنبون ذكر هذه الكلمة لما لها من ردات فعل يمكن ان تحدثها لدى عامة الناس إذ اقترنت هذه الكلمة  بمفهوم الكفر والإلحاد و هذا ما يستدعي القصاص بحق من يروج لها . الأمر الذي سبب احتقاناً لدى الكثير من الناس و منهم السيد أبو يوسف الذي يفضفض لنا عن مكنوناته و هويتلفت يمنةً و يسرةً خوفاً من آذان غريبة.

 يقول أبو يوسف: “طلعنا من تحت الدلف لتحت المزراب.  أين هي العلمانية ؟ و أين هي الديمقراطية ؟ نسمع بها فقط منكم . هؤلاء يا ابنتي يتكلمون باسم الله فعلينا السمع و الطاعة أو الصمت . لقد كتبوا على أحد اللافتات ( الدين لله والوطن لله ) يريدون دغدغة مشاعر البسطاء بكلمة (الله). و لم يتركوا لنا مساحة لنفكر بعقولنا ”

لم تكن السيدة رانيا  التي بلغت من العمر 36 عاماً أكثر تفاؤلاً من أبو يوسف بل قالت وهي تضحك ألماً عندما سألتها عن رأيها في العلمانية : “هل أنت في كامل قواك العقلية ؟  هل تريدين منا أن يتم اعتبارنا كفاراً ليطير رأسنا في الهواء؟ هؤلاء السفلة لن يتوانوا عن فعل ذلك و خاصة إن كان من يحمل هذا الفكر هو امرأة و ليس رجلاً”. 

 وهناك الكثير من الاشخاص الذين يرفضون حتى سماع كلمة (علمانية ) فقد أجاب الشيخ سعد الدين بانفعال شديد  عندما طلبت رأيه حول الموضوع:

” أعوذ بالله وهل تخالفين قوله تعالى : (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ). و قال تعالى 🙁 ومن يتبع غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين ). فهؤلاء الكفرة دينهم العلمانية و العياذ بالله .  وهناك الكثير من الآيات الكريمة توضح هذا مما لا لبس فيه.”

لقد حاول الكثير من المثقفين السوريين نشر الفكر العلماني بين أفراد مجتمعنا و مواجهة التشويه الحاصل عليه و منهم الدكتور ميشيل صطوف عضو الهيئة الادارية لمنظمة( مسار من أجل الديمقراطية)  الذي قال لنا :   ” العلمانية كمفهوم وفلسفة تنظيم المجتمع والسلطة ليس جديداً وليس علماً محدداً وثابتاً بحرفياته .. وإذا كانت قد أضحت منذ زمن طويل  في عديد البلدان كمسلمة خارج الشك والتشكيك والنقاش  ، فإنها تعاني في البلدان العربية  من عقدتي الجهل  والالتباس من  جهة والرفض المؤدلج من العقول المتزمتة من جهة أخرى. 

 موضوع العلمانية  تحوّل في واقع الحال  إلى مشكلة حد الصراع،  تشوّه قضية التجرد والموضوعية والمسؤولية في  البحث اللازم عن  الخيارات الفضلى لإعادة صياغة مواطن ووطن وأكسجنة  أو ( تهوية ) الوعي .

بحيث أن العلمانية – كنسق فكري – ينظر إلى الإنسان كمحور للوجود البشري  وأن الحياة هي موضوع العمل السياسي والعيش الدنيوي  ، مثلها مثل الكثير من المفاهيم الحديثة والمعاصرة والمجربة –  كحال مفهوم الديمقراطية  أو المواطنة والمساواة – دفعت من معظم الأطراف  لتصبح  ساحة صراع ملغوم  واتهام مسموم  وليست كموضوع  حوار كغيرها من المفاهيم، لتظهير ما  يمكن أن يكون لها أو يكون  عليها في واقع مجتمعاتنا ومعاناتنا  وفي عصر موسوم بالتقدم والتطور والتكيّف.

عديدون من السوريين  في الخارج كما في الداخل. متعلمون ومثقفون أو آخرون بسطاء، أفراداً أو تنظيمات  يسعون إلى  جعل العلمانية كما شقيقتها الديمقراطية  موضع تهمة وخطيئة وتكفير  بحجج كثيرة  منها  الإدعاء  بأنها بدعة مستوردة  واستعمارية  وأنها من فعل الأقليات  الدينية والعرقية  وأنها نموذج هرطقة معادية للدين الإسلامي   وللتاريخ المنقول عن نماذج الحكم الاسلامي . وما يجره ذلك من ( قفل باب النقاش والحوار والتحاجج) حتى حول الاسم  ،  تماماً كما هو الحال مع موضوع الديمقراطية كأسم أيضاً ، حتى لو تم توافق نظري على بعض المفاهيم في مضامين الحكم بين  الديمقراطية والشورى. فرغم أنّ قضية العلمانية في بلدان الوطن العربي  مطروحة للبحث الهادئ والدراسة  التاريخية والتعريف  وتنقية المفاهيم المعرفية  منذ عقود عديدة قبل حركات التغيير الجارية والربيع العربي ، وعرفت عديد الملتقيات المتخصصة من مختلف المشارب الفكرية والفلسفية والسياسية .. إلا أنها مع صعود التيارات الاسلامية  وقوة طموحها لاستلام السلطة  في بلد أوفي آخر، أمام فشل أداءات التيارات القومية واليسارية ..  وخاصة مع سياق الربيع العربي  وكسر حاجز الخوف  ودخول غالبية  المواطنين المفتقرين لمرجعية معرفية وفكرية على خط الفعل السياسي والتعبوي وعلى الأخص في ظروف التداخلات  الاقليمية والدولية والحاجة للتلاعب بموضوعة الارهاب وتخليق صيغ الثورة المضادة واستغلال الجهل وتنظيمات التكفير والتطرف والانغلاق . فقد  تحولت العلمانية في داخل الوطن وخاصة في منطقة الشمال أخيراً  إلى  حصان طروادة لتهشيم قضية التحرر الانساني من كل صيغ الاستبداد  والانسداد التاريخي ، وفاءً  لمصالح عديدة مختلفة ، منها  :

– الفئات الفكرية والمذهبية الخارجة  والمتخلفة عن العصر وضرورة الانفتاح عليه بدل الانغلاق على صندوق ملتبس من محتويات و موروثات  الماضي،  حيث يختلط  الاعتداد به  مع مشاعر المظلومية الدفاعية  و ووجود المؤامرات على الدين .. والتسخير الشعبوي  للدنيوي الملموس لصالح الآخروي المقصور على تصورات البعض ..

– الفئات ذات المصلحة بترسيخ العقلية الذكورية  التي ترى في المرأة  كيانا ناقصاً وتابعاً  ومصدر عار محتمل، وبالتالي لا مكان لفكرة المساواة بين الرجل والمرأة، كما تقتضي مفاهيم العلمانية والديمقراطية والعدالة. و بالاعتماد على تفسيرات سطحية أو جامدة  أو مشوهة لنصوص دينية وما يتبعها ، خارج إطار جوهر الخلق البشري  كرسائل سماوية  أو حتى حقيقة ومساحة  أهمية المرأة  التي لا تنازع في  تاريخ البشرية والعائلة والفرد.

–  وهناك أيضاً أصحاب المصالح  والامتيازات  من ذوي العقليات الجاهلية والقبلية والطائفية  التي تحتاج لتسخير أي سلاح   للحفاظ على امتيازاتها  ، وفي المقدمة سلوك الشعبوية والتشويش على الفكر المنفتح  والعصرنة التي لا يمكن تجاهلها .

كل هذه الحيثيات والعينات في وسط من الفوضى – بشقيها الموضوعي والمفتعل –  ومن المرحلة الانتقالية بكل تفاعلاتها وصراعاتها الطبيعية   جعل من مسألة العلمانية موضع تأزيم وحرف صراع  سواء من جانب أعدائها وهم بها جاهلون أو متحازبون أو من جانب  عديد القائلين بها والمنافحين عنها وهم بدورهم  جاهلون أو متحازبون الذين يسيؤون للدفاع عن مفهومها وفحواها ..

إنّ قضية العلمانية كما الديمقراطية ذاتها  التي تلقى – لاسمها فقط – معارضة شديدة من قبل التنظيمات الاسلامية  المسلحة  ومَنْ وراءَها من منظرين  ومن قبل التيار الإسلاموي السياسي .. تطرح إشكاليتها الكبرى حالياً في الشمال السوري  الذي يتميز بحساسية  مركبة  والذي لا يرى في العهد التركي الحالي جانبه العلماني والديمقراطي الذي سمح له بالوصول للسلطة   بل يستند – بخيار كيفيّ إلى  الجانب المذهبي كظهير يساء تفسيره و استخدامه .. وبالتالي يواجه حراك ونضال الشعب السوري من أجل التغيير والتحرر والتقدم  تحديات جديدة لا مفرّ من التعاطي معها  و مواجهات جدية بل وخطيرة على انجاز مهام ثورته كما على وحدته  أرضاً وشعباً  في وقت تسيطر قوى سياسية وعسكرية من طبيعة وخيارات مخالفة على قسم واسع من الوطن ، وفي المقدمة شرق وشمال الفرات.. ناهينا عن المناطق الأخرى ومواقف حاسمة  لرفض  التطرف الديني والانغلاق الفكري ..

لا شك أن الغالبية الكبرى من ملايين السوريين في المهجر – بقديمهم  وحديثهم –  يسعون و يفضلون مجتمعاً وحكما منفتحاً على العصر والحداثة  و على مضامين العلمانية أيّاً كانت التسمية، مع التمسك الحاسم بالديمقراطية  اسماً ومضمونا ..

وإذا كنا نفترض لزوم الوصول لمخرج الحكم والبديل الديمقراطي من وعن  الاستبداد القائم ، بما في ذلك التجاذبات حول الدستور ووضوح نصوصه  بفصل الدولة عن الدين واعتماد مفهوم العلمانية / بغض النظر عن التسمية واشكالاتها في لاوعي البعض / على حقيقته  كاحترام وحفظ المعتقدات / الدينية خاصة / خارج اطار  الاستغلال والتوظيف السياسي والمصلحي الضيق والضار بالمصلحة الوطنية العامة  وبتطور المجتمع وتقدمه .. فيما لاشك فيه أن ذلك يشجع على العودة وعلى الاستقرار النهائي في أرض الوطن والأهل . “

كما قدم الاستاذ منصور الاتاسي الأمين العام لحزب اليسار الديمقراطي شرحاً مفصلاً عن مفهوم العلمانية وحاجة الشعوب لها قائلاً  :

 ” العلمانية كلمة او تعريف اشكالي وهي من اكثر الكلمات التي تعرضت للتشويه في بلادنا .

وفي تفسيرها العلمي فهي تؤكد على فصل الدين عن الدولة واحترام كافة الاديان وتضمن ممارسة اتباع الاديان كامل طقوسهم بحرية كامله كما تضمن حماية دور العبادة  والاماكن المقدسة لدى الاديان المختلفة …اي أن العلمانية تحي العقائد وممارستها ولا تتدخل فيها مطلقا ..

واعتماد هذا المفهوم يؤكد على عدة ثوابت اذكر منها :-

– تؤمن الوحدة الوطنية وتلغي وتمنع الصراعات بين الاديان والطوائف بين ابناء الوطن الواحد..

-تلغي  مفهوم الأكثرية  والاقيه علي اساس ديني او طائفي أو مذهبي ..وتساوي بين المواطنون في الحقوق والواجبات

– تعزز الوحدة الوطنية وتمنع التفجرات والحروب الاهلية  في البلدان التي تعتمد مبدأ فصل الدين عن الدولة ..

ومبدأ العلمانية ليس جديدا في بلادنا ومنطقتنا

فقد اعتمد سعد زغلول شعار (الدين لله والوطن للجميع) وهو ما وحد شعب مصر في التصدي للاحتلال الانكليزي

-وهذا المبدأ نفسه اعتمد في الثورة السورية الكبرى (الدين لله والوطن للجميع) وقيم المواطنون السوريون على اساس مشاركتهم في الثورة ،،بغض النظر عن انتمائهم الديني او المذهبي،،

وعين السيد سلطان باشا الاطرش القائد العام للثورة السورية دون ان يعترض احد ،وعين السيد فارس الخوري وزيرا للأوقاف الإسلامية ثم رئيسا لمجلس الوزراء دون ان يعترض احد ……الخ وحتى الان فإن شعبنا يحترم جميع رموزه الوطنيون وكلنا يعرف ابراهيم هنانوا وغيره وغيره …فهذه الممارسة هي التنفيذ العملي لمفهوم العلمانية ….

– وهذا ما أسس لاحقا لنهضه وطنيه كبيره في الخمسينيات ..بعد ان الغيت  الصراعات المذهبية والطائفية وغيرها واستعيض عنها بتنافس بين الاحزاب الوطنية …بعد ان تسابقت في تقديم البرامج التي تعمل على رفعة الوطن وحماية كرامة المواطن ….

وعلى العكس من مفهوم العلمانية عملت التيارات المتطرفة المختلفة الانتماءات على تفكيك الوحدة الوطنية وأريقت دماء كثيره في صراع لم ينتصر فيه سوى الموت والتفكك والخضوع لتوجيهات  جهله و هذا ما لاحظناه في نشاط حزب الله الشيعي وجبهة النصرة السنيه التي فرضت مفاهيمها على السكان في المناطق التي سيطرت عليها والغت  وقتلت كل رأي مخالف …وهذا ايضا ما مارسته داعش حيث قتلت واستباحت كل اتباع الديانات الاخرى من السوريين واستباحت وباعت في سوق النخاسة نساء سوريات في حاله تتناقض مع طبيعة وتاريخ السوريين وهذا ما ساهم فيه النظام حين شجع الصراعات الدينية والمذهبية ومنع الانتماء السياسي وقتل حرية الرأي

إن حاجة بلدنا للخروج من الصراعات الدامية وتحقيق أهداف الثورة في اسقاط نظام الاستبداد والقتل والنهب وتحقيق شعارات الحرية والكرامة والعدالة تتطلب اعتماد خطاب وطني جامع يساوي بين السوريين .و عندما يتم تجسيد شعار(الدين لله والوطن للجميع) و يتم رفض اي تشويه له  فعندها فقط  يتحقق مبدأ العلمانية .