IHH/AP

إيمان داراني (عيني عينك) – بين مسمى باصات العودة الطوعية وباصات الترحيل، تضيع آمال السوريين في تركيا مع مشاريعهم التي أسسوها خلال ثماني سنوات. ينشر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لسوريين أمام حافلاتٍ مع أمتعتهم، عيونهم تذرف الدموع وهم يعانقون أحبتهم مودعين، ومعلنين عودتهم إلى سوريا، يقول الناشطون إنهم قد تم ترحيلهم فيما يعلق آخرون انهم عائدون طوعاً إلى الوطن الذي فاض حنينهم إليه.

ولكن من يقرأ أخبار الشمال السوري لا يخامره شك  في أن الترحيل القسري هو عبارة عن رحلة عكسية على غير المعتاد.

تزداد وتيرة حملة الترحيل في هذه الايام للسوريين في تركيا، وتتوسع الحملة بشكل خاص  في اسطنبول وذلك لكثافة سكانها، واحتوائها على العدد الأكبر من المهاجرين غير المسجلين، فهي مهوى أفئدة الأجانب لتوافر الخدمات وفرص العمل فيها. استهدفت حملة الترحيل بالعموم نوعين من المهاجرين وهم غير المسجلين أي من لا يحملون بطاقة الحماية (الكملك) والمهاجرين الذين يحملون الكملك لكن من ولايات اخرى غير الولاية التي يعيشون فيها. أفراد الفئة الأولى تعرضوا للترحيل نحو الشمال السوري بمجرد توقيفهم وحتى قبل توضيبهم لأمتعتهم أما الصنف الآخر فيجبر في حال القبض عليه على المغادرة إلى الولاية التي استخرج منها بطاقة الحماية

“محمد” هو طالب جامعي من مدينة دمشق حصل على بطاقة طالب، ولكن حين تم توقيفه ولم يكن يحمل في محفظته  بطاقته فتم زجه في حافلة أعدت لترحيل السوريين ولم يسمح له بالعودة لمنزله لإحضارها.

لقد أعطي المهاجرون مهلة من أجل عودتهم لبلادهم أو للولاية التي استخرجوا منها وثيقة “الكملك” وهي 20 أغسطس 2019 لكنها فترة قصيرة وغير كافية كما صرح مستشار الرئيس التركي “ياسين أقطاي” في مقابلة له  قناة التركية  ülke: “مهلة الثلاثين يوم ليست مخصصة فقط لخروج السوريين المخالفين لولاياتهم ولكن أيضاً هي فترة للدولة والحكومة للتفكير وإيجاد الحلول الأكثر منطقية بخصوص هذا الموضوع”.

ترحيل السوريين إلى ولايات غير الولايات التي يقيمون فيها سيؤدي إلى مشاكل كبيرة تفوق المشاكل الإدارية التي تعاني منها اسطنبول بسبب كثرة المهاجرين غير المسجلين خصوصاً ان الكثير منهم قد أسس حياته المهنية منذ ثماني سنوات، ومن الصعوبة  تأسيس حياتهم المهنية والاجتماعية في ولاية أخرى إن لم يكن هناك قوانين من الدولة تساعدهم على ذلك.

أما ترحيل السوريين إلى إدلب فيرى فيها السوريون وفي المهلة القصيرة المحددة مزيداً من نزف الجراح، حيث ان الكثير منهم فقد مسكنه في سوريا إما بالتدمير او بالتهجير القسري الذي فرضه النظام السوري على المدن التي سيطر عليها، وحتى الشمال السوري  المحرر لا مكان للجوء إليه، فهو في تصعيد عسكري مستمرمنذ أشهر، مما زاد في اكتظاظ القرى الحدودية بالنازحين إما في الخيام او مفترشين الأرض تحت أشجار الزيتون بعد الدمار الهائل الذي سببته صواريخ روسيا والنظام السوري في ريف إدلب وحماة واللاذقية .

السيدة رهام من ريف دمشق داريا هجرت من بيتها منذ أكثر من خمس سنوات تقيم في مدينة اسطنبول لم تستع هي وزوجها الحصول على بطاقة الحماية من اسطنبول بينما حصل  طفلاها عليها من استنبول لانهم طلاب مدارس وبصعوبة حصلت هي وزوجها  على بطاقة من ولاية غبزة  واليوم تلزم رهام المنزل خوف ترحيلها من اسطنبول والأسوء من ذلك انها تتخوف من الذهاب لمؤسسات الدولة حتى عند الضرورة. تقول :”بعد أن تم القبض على عدد من أصدقائي لدى تواجدهم في مؤسسات حكومية تطلب الكملك من أجل تسير امور السوريين أخشى من الذهاب لتسجيل أطفالي في المدرسة ولكن إلى متى سأحرم اولادي من الدراسة ؟”

والسؤال ماذا عن السوريين الذين لم يخرجوا بعد 20 أغسطس؟

إجابة هذا التساؤل وفقاً لأقطاي: “أساساً لن يتم ترحيل احد خارج البلاد بشكل قسري، فقط الذين ارتكبوا مخالفات وجرائم، وحتى هؤلاء يحاكمون ولا يجبرون على الخروج من تركيا”.

لكن هذا يكذبه الواقع فالمعابر التركية السورية تشهد يومياً ترحيلاً قسرياً للسوريين وغير السوريين إلى الشمال السوري، فقد بلغ عدد المرحلين، بحسب إحصائية لمعبر باب الهوى نشرها عبر معرفاته الرسمية في مواقع التواصل، خلال شهر تموز الماضي 6160 شخصًا، بينما بلغ عدد المرحلين في حزيران 4370، وفي شهر أيار الماضي 3316 سوريًا. ومن المؤسف أن العديد من المرحلين بقيت أسرهم في تركيا، مما زاد من سوء الوضع الذي يختبرونه.

تركيا ملزمة بموجب القانون العرفي الدولي بعدم الإعادة القسرية، إذ يحظر القانون إعادة أي شخص إلى مكان قد يتعرض فيه لخطر حقيقي.

هل لخسارة حزب العدالة والتنمية في ولاية اسطنبول علاقة بالإجراءات الأخيرة ضد السوريين؟

بينما يصر البعض على أنّ قضية السوريين في تركيا باتت سياسية، يستغلها المتنافسون على السلطة في تركيا، نرى البعض الآخر يصر على ان ما يجري هو تطبيق لقوانين لم تكن مطبقة بشكل كامل وأنها إجراءات لابد منها من أجل أمن تركيا.

يقول أقطاي :”إن أجواء الانتخابات والانشغال بها ساهم في تأخير اتخاذ تدابير سريعة في موضوع المخالفين في اسطنبول”.

ماذا يرى الشارع التركي؟

بينما نرى الكثيرين من المعارضين الأتراك في اسطنبول وفي ولايات أخرى، ممن يقيمون حملات ضد السوريين، نجد الكثير ممن يكنون الاحترام للسوريين ويذكرون العالم  بما قدموه لتركيا وما يقدموه اليوم فتجار حلب في تركيا لهم أفضال في تأسيس أعمال كبيرة وتوفير فرص عمل للمجتمع التركي.

وهناك الكثير من الاتراك الذين يذكرون إخوانهم الأتراك بما كان من تآخي بينهم وبين السوريين، ويستدلون على ذلك بشواهد مقبرة الشهداء حيث تقرأ: “شامي وحلبي” فاين استشهد هؤلاء ؟وعمن كانوا يدافعون؟

في الأسابيع الاخيرة تزايدت حملات التوعية من أجل المزيد من التعايش بين السوريين والأتراك، وتزايدت أصوات الوجهاء من السوريين لنفس الغاية.

الشيخ سارية الرفاعي السوري الدمشقي وعبر مقطع بث على منصات التواصل الاجتماعي ذكر الشعب التركي وقياداته بمسؤوليتهم أمام إخوانهم السوريين الذين لجؤوا إليهم هربا من التنكيل الذي يتعرضون له، وتوجه إلى المسؤولين من الحزب الحاكم والمعارضة ووجه لهم السؤال :”لماذا ضقتم ذرعاً بإخوانكم الذين ما لجؤوا إليكم ليمدوا أيديهم بل ليساهموا في التنمية عندكم، وسلوا عن إحصائيات الاستثمار السوري في بلدكم، وعن التحصيل العلمي للشباب السوري في مدارسكم وجامعاتكم” أما مبادرة ‘أانا إنسان’  فتهدف المبادرة للقيام بحملات إعلامية لزيادة التعايش والأخوة بين الشعب التركي والمقيمين الأجانب في تركيا وتحسين الصورة الإيجابية للمقيمين في تركيا وزيادة تقبلهم في المجتمع التركي.

ويبقى أمام “رهام” وأمثالها من السوريين انتظار أن تؤتي هذه الحملات وهذه الأصوات ألها قريبا قبل أن يخسر زوجها عمله أو يعاد إلى سوريا وحتى يتمكن أولادها من عيش حياة كريمة  في المجتمع المضيف.