سلمى محمد (عيني عينك) – منذ أيام مرت ذكرى مجزرة داريا الكبرى، الذكرى التي تمتنع أذهاننا عن نسيانها أو تجاهلها، ربما السنوات السبع التي تلتها كانت كفيلةً بأن تنسينا أي حادثة بعد كل ما مررنا به من تهجيرٍ وتشريد، لكن ما إن يمر الخامس والعشرون من آب/أغسطس حتى يسير شريط الأحداث الأليمة أمام ناظري، وأشعر وكأنني في ذات اللحظة وذات الخوف، وكأن الزمن توقف هناك ولم يكمل المسير..

بدأت الأحداث ثاني أيام عيد الفطر (20 آب/ 2012) قُطعت الكهرباء والاتصالات عن المدينة، وأخذت قذائف الهاون والمدفعية تنهال على المدنيين، وبدأ الجيش محاولاته اقتحام المدينة.
اشتدت وتيرة القصف الصاروخي بشكلٍ جنوني، لاأزال حتى اليوم أسمع أزيز الصواريخ في أذني، ولا أنسى دقات قلبي المتسارعة عندما كان صوت الصاروخ يقترب أكثر فأكثر حتى استقر في البناء المجاور.
تعالت النداءات من المساجد بأهمية النزول إلى الأقبية والملاجئ حفاظاً على أرواحنا، فبتنا نقضي معظم وقتنا داخل القبو ندعوا الله أن تمر هذه الأيام العصيبة بسلام، ولم نكن ندري ماذا يخبئ لنا القدر.

حاول الجيش الحر صد الهجوم ولكنه لم يستطع الصمود بأسلحته الفردية أمام الدبابات والطائرات، فقرر الانسحاب ليبدأ فصلٌ جديد بدخول قوات النظام، وقلوبهم ملأى بالحقد، والبغضاء والوحشية.

يوم الجمعة (24 آب) اجتاحت أعدادٌ هائلة من قوات النظام المنطقة مدعومةً بالميليشيات الطائفية، وبدأت مداهمة المنازل، والاعتقالات العشوائية، وتم نشر القناصين على أسطح الأبنية العالية لرصد أيّ تحرك.

مصدر الصورة: صفحة تنسيقية أهالي داريا في الشتات

كما في كل مساء أشعلنا مولدة الكهرباء، وما إن أنار ضوءٌ خافتٌ الحي حتى انهالت رصاصات القناص معلنةً منعنا من الحصول على بصيص نورٍ نستضيء به في ظلمة ليلنا الحالك، أطفأناها على عجل وحاولنا الخلود إلى النوم ننتظر الغد وما يحمله لنا.
صباح اليوم التالي نزلنا كعادتنا إلى القبو، لم يتجدد القصف فعلمنا أن الجيش وصل لمركز المدينة.
شبكة الانترنت مقطوعة لكن الجيران يتناقلون أنباء عن تمركز دبابة في المنطقة المحيطة بحينا، وتسربت بعض الأخبار عن تصفية العشرات بطرق وحشية، أفرغت حاسبي من كل الملفات والصور التي تتعلق بالثورة، وجلسنا ننتظر وصولهم، مشاعرُ متضاربة تطغى على الموقف، خوفٌ وهلع، إحساسٌ بالضعف، وترقب لحظة الموت المحتّم، ألسنتنا تلهج بالدعاء والتوسل إلى الله ألا يكون مصيرنا الذبح بالسكاكين.

شهد يوم السبت (25 آب) ارتفاعاً بوتيرة القتل والانتقام العشوائي. عائلاتٌ بأكملها أعدمت داخل الملاجئ التي لاذوا إليها فارين من بطش القذائف والصواريخ، إما رمياً بالرصاص أو ذبحاً أو حرقاً دون أية أسباب، ولم يقف إجرامهم عند هذا الحد، بل قاموا بالتمثيل بالجثث وتشويهها، حتى صار الكثير منها غير واضحة المعالم.

في تمام الساعة الحادية عشرة صباحاً قدِم جارنا وطلب منا الصعود إلى منازلنا بهدوءٍ تام ودون إصدار أي صوت، باب البناء الحديدي موصدٌ بإحكام لكنه لن يصمد كثيراً إن أرادوا كسره والدخول.
نفذنا تعليمات جارنا دون أن نسأله لم طلب منا ذلك! ولكن استطعت معرفة السبب عندما وصلت إلى نافذة البناء واسترقت النظر، وإذ بعناصر الجيش تقف أسفل منا ولو رفع أحدهم نظره إلى الأعلى لرآني.
سيطر الرعب علينا جميعاً، كان الجو مشحوناً بالتوتر، مرت الدقائق متثاقلةً وكأنها أعوام، رأينا الموت فيها مئات المرات ونحن نفكر بالطريقة التي سيقتلوننا بها. اختلست النظر من الشباك المطلِّ على الطريق لأراهم يكسرون أقفال المحال التجارية، دخانٌ كثيف كاد يخنقني، لقد أحرقوا معدات طبية وجدوها في البناء المقابل لنا ورحلوا.
ربما تجاوزنا الموت سهواً من القتلة، أو هي الرحمة الإلهية!

ولكن في جانبٍ آخر ليس ببعيد لم يراعِ السفاحون حرمة بيوت الله، ما يزيد على 150 جثة تكومت فوق بعضها في باحة مسجد أبو سليمان الداراني، قتلوهم بكل دمٍ بارد ومضوا إلى أحياء أخرى، وصلوا إحدى النقاط الطبية التي لم يستطع أحدٌ إخلاء الجرحى منها، أعدموهم بعد حفلةٍ من التعذيب الوحشي، في ذلك اليوم كل جريحٍ كان مشروع شهيد.
عاثوا في البلدة خراباً، حرقٌ، وتكسيرٌ، وتخريب، فرغوا حقدهم الدفين بالمدنيين والأطفال والرضع، وبعد كل ذلك تجولت فرق الإعلاميين المرافقة للجيش بين القتلى والجرحى دون أن يرف لهم جفن، ووقف القتلة أمام  كاميراتهم بكامل ” لا إنسانيتهم” ليصوروا انتصاراتهم التي بنوها على جثث الأبرياء، ولينتزعوا شهاداتٍ على تورط الجيش الحر من أطفالٍ لفظ أهلوهم أمام أعينهم أنفاسهم الأخيرة، تقابل ميشلين عازر مراسلة قناة الدنيا التابعة للنظام امرأةً جريحة لتسألها بلا مبالاة “مين ضربك خالة؟” بدلاً من أن تطلب نقلها إلى المشفى وإسعافها.

انسحبوا من المدينة في (27 آب) تاركين وراءهم رائحة الموت تفوح في كل مكان.
أكثر من 700 شهيد، منهم 524 موثقون بالأسماء، 61 امرأة، وأكثر من 50 طفل بحسب المجلس المحلي لمدينة داريا، وعددٌ كبير من الجثث مجهولة الهوية والمشوهة التي لم يستطع الأهالي التعرف عليها، وحسب تقديرات الشبكة السورية لحقوق الإنسان فإن الحملة خلفت 1160 جريح وأكثر من 100 مفقود في عداد المختفين قسرياً.

بأبشع وسائل الإجرام قابل النظام حاملي الورود في المدينة التي تميّزت بسلميتها، لتُضاف مجزرة داريا إلى سجل النظام السوري الحافل بسلسلةٍ طويلة من انتهاكات حقوق الإنسان، ويلتزم المجتمع الدولي الصمت حيال هذه الجرائم، ويضيع الحق وتغيب العدالة.