إيمان داراني (عيني عينك) – يومٌ وصف بغياب الدم وحضور الموت، يوم لن يغيب عن   ذاكرة اهل  المعضمية وداريا في الريف الغربي لدمشق، مجزرة الكيماوي في الغوطتين يوم 21 آب 2013، حدث الهجوم من عصابة الاسد وبحماية الفيتو الروسي بالمحافل الدولية، و أمام أعين المراقبين الدوليين، وبعد ثلاثة أيام فقط من وصولهم إلى دمشق للتحقيق في استخدام السلاح الكيماوي.
بعد مرور ست سنوات على الجريمة ما يزال المجرم يتربع فوق عرش من جماجم الأبرياء، والتحقيقات لم تنته بعد في هذه المجزرة وغيرها من مجازر الكيماوي حتى هذا اليوم.
بدأ القصف في الساعة الخامسة والنصف صباحاً من ذلك اليوم على غير المعتاد، بعدة صواريخ أرض – أرض.
لم يعلم أهل المعضمية بدايةً أنه الكيماوي لكن سرعان ما بدأت الأعراض تظهر مع وصول رائحة غريبة إلى البيوت الأرضية والأقبية، فهرع الناس إلى الطوابق العلوية فبدا القصف الكثيف من جبال الفرقة الرابعة، وأصبح الناس حيارى بين موت بلا دم وموت يقطر دماً.
وأمام باب الهلال –  وهو المركز الطبي الوحيد –  كان قد تم إنزال الجثث والمصابين من السيارة وتمت تسجيتهم على عرض الطريق دون وجود وسيلة إسعافية سوى خراطيم المياه.
تتحدث السيدة أم محمد من سكان المعضمية وشاهدة على المجزرة: “لقد كان الناس أشبه بالسكارى من شدة هول الموقف، حتى أن الشباب عند وصولهم بالجريح بسبب القصف يلقونه أمام باب الهلال مع مصابي الكيماوي بدون وعي منهم، فتختلط دماؤه بالمياه وبزبد مصابي الكيماوي”.
تروي السيدة أم جميل – وهي ناشطة من أهالي المعضمية – أحداث ذلك اليوم: “خرجت إلى المشفى الميداني لكن وقبل وصولي كان هناك تجمع كبير للناس  بالقرب من المشفى وأمام البيوت، وقد علت الأصوات وهاج الناس وماجوا، فدخلت  البيوت وكانت المفاجأة… غرف ممتلئة بالمصابين  والشهداء، عوائل كاملة مسجاة وغرفة قد امتلأت  بأطفال قد استشهدوا وكذلك نساء ورجال. لم أستطع التعرف على أحد من شدة هول المشهد رأيت في  غرفة من الغرف ستة أخوة  أطفال قد قتلوا جميعا، للأسف أبوهم توفي  قبل نهاية اليوم  حزناً على أولاده”.
أما السيدة أم عمر-  وهي ممرضة متطوعة في مركز الهلال الطبي في المدينة –  فتقول :” كانت أعداد المصابين كبيرة لا يمكن استيعابها في المركز الطبي، وإسعاف المصابين يتم على أرضية المركز وفي دهاليزه وبين الجثث  في مشهد مريع لا يمكن وصفه، 


كانت الأعراض تظهر على شكل علامات اختناق واحمرار وزرقة في جميع أنحاء الجسم، مع خروج الزبد من فم المصاب، أما الترياق  الموجود فهو إبر اتروبين. والهدروكرتزون. هذا الشي الذي كان متواجداً عندنا بالهلال لكنه غير كافي “.

اما المسعفون فتروي عنهم السيدة ام جميل : “أصيب عدد من المسعفين بالكيماوي، و اضطربت الرؤيا لديهم فيتشارك عدة اشخاص في اسعاف المصاب، احدهم يفتح الحقن وآخر لتعبئتها وثالث لحقنها، وقد استشهد عدد منهم وذلك لعدم معرفتهم بالتعامل مع إصاباتٍ من هذا النوع، حيث أن الكوادر الطبية لم تخضع لدورة تأهيلية في إسعاف المصابين بالكيماوي، و حتى موضوع القصف بالكيماوي لم يكن وارداً لوجود اللجنة الدولية في دمشق، لذلك ما من احتياطات استباقية في المدينة او في المشفى الميداني لهذه الضربة”
تتحدث السيدة أم عمر عن الوضع الطبي للمدينة في تلك الفترة :”كانت المدينة محاصرة بالكامل بعد قطع اوتستراد الاربعين، الواقع شمال المدينة ويصل المعضمية بالعاصمة دمشق ومنع النظام من  ادخال الدواء والغذاء وحليب الأطفال للمدينة في محاولة منه لإخضاعها”
لذلك كان لابد من ارسال المصابين إلى المشفى الميداني الوحيد في داريا رغم خطر الطريق.
تروي السيدة أم عماد –  من محاصري داريا في ايام مجزرة الكيماوي –  أحداث ذاك اليوم :”صحوت على رنين هاتفي الجول  باتصال لصديقتي آمنة من  سكان المعضمية، وبمجرد فتح الخط  سمعت استصراخها، ولم افهم إلا  جملة : “قتلونا بالكيماوي، المعضمية راحت وينكن، الجثث بالأراضي  بجنب الهلال”.

خرجت من المنزل مسرعة، فإذا بالسيارات مسرعة باتجاه طريق المعضمية، و تتعالى أصوات الناس بالخبر وعدد القتلى وأذكر اني سمعت بتلك اللحظة احدهم يقول :” 500 واحد قتلوا بالمعضمية ( كان ذلك في الساعة السادسة أي بعد نصف ساعة تقريبا من ضرب الصواريخ)  وأسرعت إلى النقطة الطبية الوحيدة في داريا لأعرف الخبر اليقين لكن لم أستطع الدخول، فقد كان المدخل مشغولاً بإدخال المصابين وبحركة المسعفين وتجمهر الناس”.
لكن ما زاد من إجرام النظام في ذلك اليوم هو القصف الشديد على طول الطريق الوحيد بين داريا والمعضمية، حتى أصبح المرور منه أشبه بعملية انتحار، لذلك كانت سيارات الاسعاف  تسير بسرعة هائلة خوف استهدافها، ومع ذلك  لم تنجو من الاستهداف، تقول السيدة ام عماد :” لقد كثّف النظام يومها القصف على داريا وبالتحديد  على المركز الطبي، حتى لا يتسنى للكادر الطبي في داريا إعانة  طبية المعضمية، لكن الله سلم ولم يصب احد منهم بأذى”.
لقد شهد هذا اليوم في داريا تحليق وقصف لطائرات الميغ من اجل زيادة الفزع في النفوس، وبدأت الصفحات الموالية تبث سمومها بحرب نفسية على أهالي المعضمية،
تحدثنا السيدة أم جميل :”لم يبقى نوع من انواع السلاح الا استخدم في ذلك اليوم، والصفحات الموالية تبث أخباراً عن تجمعات هائلة للجيش حول المعضمية استعداد لاقتحامها وذبح من  لم يمت بالكيماوي بالساكيين، مع كلمات الشماتة  بمقتل الابرياء وتبجيل المجرم، الذي كانت ضربته بالكيماوي موفقة حسب تعبيرهم، وهذه شهادة من المؤيدين على استعمال النظام السلاح الكيماوي،  ومن الحوادث المؤلمة جدا في ذلك اليوم التي لم استطع نسيانها تلك الأم التي لم نكد نخبرها بموت ابنها بالكيماوي حتى وصل نبأ استشهاد ابنها الآخر  بقذيفة على جبهات المعارك، والحيرة في تلك اللحظة في كيفية إخبارها ومن الذي يتجرأ على إخبارها كان يوماً أشبه بيوم القيامة “

كانت الغوطة الغربية على نفس الموعد بالكيماوي مع الغوطة الشرقية وقد وثق تنسيقيات الثورة: يومها ارتفاع حصيلة أعداد شهداء المجزرة في الغوطة الشرقية والغربية لأكثر من 1600 شهيد وآلاف المصابين.
لم تكن معناة الناس في اسعاف المصابين بأكبر من معاناتهم في دفن قتلاهم، تقول السيدة أم جميل :”لم يدفن ولا شهيد أثناء النهار، ذلك أن المقبرة مستهدفة من الجبل مباشرة  فمن  يعمل بدفن الشهداء سيندفن معهم حكماً، لذلك فقد سًجيَ الشهداء أمام ذويهم حتى حل الظلام – و قد كانت المدينة ترزح تحت ظلام دامس منذ عدة أشهر  لانقطاع الكهرباء عنها – ولك أن تتخيل دفن العدد الكبير من الشهداء في ليلة واحدة، لا يستطع أحد ٌفيها ان ينير ولا حتى نور قداحة أو شمعة أثناء الحفر والدفن، وقد قدر عدد الشهداء بأكثر من مائة ما عدا شهداء الجبهات التي استنفرت لأعلى مستوى لها يومها”.
تتحدث السيدة أم عمر وهي تمسح دموعها :”لقد راينا القهر بعينه عند رؤية  الاطفال والمدنيين يموتون أمام أعيننا ولا حيلة لنا، لقد استشهدت امامي  عائله كامله. من بيت السيد أحمد، استشهد جميع أفراد العائلة. كان عددهم. 8 أشخاص”.
ويبقى  الآن سؤال السوريين جميعاً متى سيحاسب الجاني؟ وهل من فرق ببن موت بدم وموت بلا دم،
أم أن  السلاح الممنوع استخدامه دولياً مباح على الشعب السوري.