صورة تعبيرية

سيرين المصطفى (عيني عينك) – بينما كانت تمشي سعاد (مواطنة من قرية الكركات) في إحدى شوارع مدينة السقيلبية القابعة تحت سيطرة النظام السوري، لفت انتباهها من بعيد سيارة شحن محملة بالأثاث الذي يوحي بأنه قادم من مناطق ريف حماة الذي سيطرت عليه قوات النظام مؤخراً.  ليسارعوا بتعفيش منازل المدنيين، أي لا يتركوا شي فيها إلا ويسلبونه سواء من معدات كهربائية وما إلى ذلك. ما إن اقتربت تلك السيارة، حتى شعرت بأن ما فيها من أثاث يبدو مألوفاً لها… إنها غرفة نومها!

عشرات المنازل نهبت خلال الحملة العسكرية على إدلب

لم يسلب منزل سعاد فقط وإنما العشرات من المنازل وأكثر، تم تعفيشها  من قبل قوات النظام خلال الحملة العسكرية الأخيرة على ريفي إدلب وحماة، عقب سقوط بعض المناطق بإيدي الجيش السوري، بعد معارك كر وفر فيما بينه وبين فصائل العسكرية المعارضة. خلال الساعات الأولى من السيطرة على مدينة كفرنبودة، انتشرت  صورة عبر تطبيق الفيس بوك لعسكري من النظام وخلفة من بعيد سيارتان محملتان بالأغراض، كدليل على أن الجيش بدأ بالتعفيش. كما انتشرت فيديوهات عبر السوشيال ميديا لعمليات التعفيش في مناطق من ريف حماة.

سرقة البيوت حلال، وأثاثها غنائم حرب….. بحسب منظور النظام

كلمة تعفيش ليست من اللغة العربية الفصحى وإنما هو مصطلح من العامية مأخوذ من عفش “أثاث البيت وتجهيزاته”، في حين يفسر التعفيش بالنهب ومن المحظورات بموجب القانون الدولي العرفي، في الوقت الذي يعود سبب نهب جنود النظام بيوت المدنية في المناطق المحررة، إلى كره وحقد النظام على سكانها، بجانب الانتقام منهم مع الاستفادة من المعدات مادياً ومالياً بحيث يعوضون بعضاً من خساراتهم الناتجة عن المعارك . كما في نفس الوقت لا يتركون لأهل المنطقة سبيلاً للعودة، علاوة على ذلك يعتبرونها حقاً لهم، ونيلها عمل بطولي. وذلك ما أثبته خطبة الشيخ توفيق البوطي.  فبحسب تقرير منشور على صحيفة زمان الوصل في 27 آيار/مايو، فإن ” توفيق البوطي” إمام وخطيب المسجد الأموي في دمشق( ابن الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي)، ألقى خطبة طويلة، ذكر فيها حديثاً يوحي بأن التعفيش غنائم حرب أي سلبها مشروع. ولمح “البوطي” إلى إن انشغال جنود الأسد بعمليات “التعفيش” هي سبب الهزيمة أمام فصائل المقاومة في “كفرنبودة”. كمال قال في خطبة الجمعة:”ما ينبغي أن ننكس الأمور فنجعل المغانم غاية ونجعل الغاية نتيجة، عندما تنكس تشوه عملية الجهاد ويمكن أن يؤدي ذلك إلى نتائج مؤسفة”.

بحسب تقرير لعنب بلدي منشور في 15تموز/يوليومن 2019، فإن النظام السوري قام بـ التعفيش سابقا في حمص بعد السيطرة على القصير ومحيطها في الريف الغربي في 2013، ثم حمص المدينة في ال2014. كما طال الأمر مدينة داريا في ريف دمشق الغربي بعد وقوعها بين يديه، كذلك  أحياء حلب الشرقية والريف الغربي الكامل لمدينة دمشق، ولم تسلم الغوطة الشرقية وخاصة مدينة حرستا من العملية، وتبعها بلدات وأحياء جنوبي دمشق.

ضحايا التعفيش يروون قصصهم

يني عينك التقت ببعض النازحين في المناطق الشمالية الشبه آمنة، بصوت مخنوق روت أم عدي (55)عاما، النازحة من الكركات ( بريف حماة الغربي) والمقيمة حالياً في قاح بريف إدلب الشمالي :” بعد أن دخل الجيش بفترة شهر تقريباً، استطعنا أن نتواصل مع شخص كي يدخل إلى بيتنا، من أجل أن يحضر لنا بعض الأوراق الهامة التي نسيناها بسبب خروجنا فجأة، وبعد أن دخل صور لنا مقطع فيديو للمنزل، عندما رأيته بدا لي أن المنزل شبه خال من  أثاث غرفة النوم، وعفش غرفة الضيوف، كما أن كل شيء فيه كان مقلوباً رأسا على عقب. منذ تلك اللحظة ولم يشغل بالي سوى هذه المصيبة، فساعات أبكي، وساعات أصبر وأحتسب”.

بينما أمون (35)عاما من نفس قرية أم عدي، حكت لعيني عينك قصتها داخل خيمة في مخيمات أطمة على الحدود السورية التركية :”لم تكن أول مرة نخرج فيها من مناطقنا، دائما كنا ننزح ثم نعود بعد أيام قليلة، لكن لم نتخيل أن الأمر سيطول لهذا الحد. لذلك لم أخذ معي شيء، بصراحة وأنا نادمة على ذلك. ليتني أخرجت الأغراض قبلي، لأننا الآن عدنا للصفر، حسبي الله ونعم الوكيل”.
ويضيف أبو عواد (60) عاماً من قلعة المضيق (بريف حماة): “قلت لنفسي”مو محرزي طالع الغراض مشان كم يوم نزوح”، فنزحنا دون أن نأخذ معنا سوى الضروري وسهل الحمل، لنتفاجئ باندلاع معارك طاحنة في مناطقنا انتهت بسقوط مناطقنا، لتكون سرقة بيوتنا واحدة من سلبياتها”.   
وسرد جهاد(45)عاما من توينة بريف حماة الشمالي:”إيجار السيارات غالي، كما أن  نقل الأغراض ليس بالساهل، كما انه عندما خرجنا لم نكن نضمن وجد مكان يؤوينا فأين نذهب بكل تلك الأغراض”. 
وأكملت مرج (35) عاما من كفرنبودة شمال غرب محافظة حماة:”خروجنا أتى فجأة، لم نتوقع احتداد الأمور على هذا النحو، إذ اشتد القصف على القرية مرافقا إياه سقوط قتلى وجرحى، فأصبحت القرية شبه خالية، كما أنه لم يعد من الأمر السهل تأمين وسيلة نقل،  ليكون همنا الوحيد هو النجاة بأرواحنا”. 
وتروي عاتكة (20)عاما من كفرسجنة بريف إدلب الجنوبي الذي ما تزال بعيدة عن سيطرة النظام،:” أخذت معي ملابسي فقط وبعض الأوراق، إذ تحدثت مع كثير من سائقي الحافلات، دون جدوى حتى انتهى مطاف البحث عن وسيطة نقل، بإرسالي  على متن سيارة محملة بأكياس الشعير إلى الشمال”.

ماذا ينتظر أولئك الناس؟؟

الأمنية المشتركة كانت:”بدنا نرجع”، ثم تنوعت أمانيهم ما بين هدوء الوضع بانتهاء القصف وسلامة الأهل والأقارب مع الأحباب بجانب توفر الفرصة بعيش حياة كريمة بعيداً عن الخوف والحزن اللذين أصبحا جزءا يوميا من حياتهم، بينما آخرون تلخصت تلك الأحلام بغرفة صغيرة يسترون بها أنفسهم مع عمل يؤمن لهم معيشتهم، في حين أم عدي التي لم نهب بيتها، وتضرر قسم منه، قالت لعيني عينك بصوت مخنوق عكس مدى الحرقة التي في قلب تلك المرأة: “بدي أرجع ع  ضيعتي ولو بدي أقعد تحت شادر و ع التراب”.