سلمى محمد (عيني عينك) – حلّ منذ أيام عيد الأضحى المبارك، العيد الذي لم يعد في ثقافة المجتمع السوري مجرد مناسبة دينية فحسب، بل أصبح حاجةً اجتماعية مُلحّة، فبعض العائلات تنتظره من العام للعام التالي حتى تُشبع بطون أبنائها من وجبات اللحم التي تفتقدها موائدهم طوال العام.

“وعدت أولادي اعمل لهم لحمة مشوية بالعيد، وبدي اعمل لحمة بالصينية، ولحمة على بيض، ليعوضوا الحرمان منها خلال السنة” هذا ما قالته لي أم أنس (37 عام) مهجّرة من ريف دمشق، بعد أن أخبرتني أن صغارها أقاموا احتفالاً في العام الماضي عندما قاموا بشواء اللحم، فقد كان نصيبهم من الأضاحي قطعتي لحم كبيرتين.
وأضافت أم أنس ” لو عندي براد كنت فكرت أحتفظ باللحم لوقت أطول، لكن للأسف لا براد ولا كهرباء”.

فقد معظم السوريين في سنوات الحرب الثمانية، وبظل ظروف التهجير والنزوح مصادر دخلهم، وكانت فئة الدخل المحدود الأكثر تضرراً. وقد أكد تقرير أصدره المركز السوري لبحوث السياسات في 14 مايو العام الحالي، أن معدلات الفقر والحرمان ارتفعت إلى مستويات خطيرة وصلت إلى 93.7% نهاية عام 2017 بالاستناد إلى خط الفقر الكلي للأسرة الواحدة، بينما بلغ الفقر المدقع 59.1% في نفس العام.
فيما تسبب الصراع المسلح في كارثة للأمن الغذائي للسوريين حيث تراجع دليل الأمن الغذائي بشكل حاد بحوالي 40% بين عامي 2010 و2018.

وبيّنت نتائج البحث التدهور الكبير في جودة المواد الغذائية المتوفرة، والخلل الواضح في التركيب الغذائي، حيث ارتفعت نسب الاعتماد على الحبوب على حساب اللحوم والألبان والخضراوات.
وأظهرت النتائج ارتفاعاً حاداً في مؤشر أسعار المستهلك والذي وصل في بعض السلع الأساسية إلى أكثر من عشرة أضعاف مستوياته قبل النزاع. وساهمت سياسات تقليص دعم السلع الرئيسية مثل المشتقات النفطية والكهرباء وانخفاض القدرة الشرائية لليرة السورية في قفزات كبيرة في الأسعار.
هذا ما دفع فئات الدخل المحدود للاعتماد بشكلٍ كبير على الخضار والحبوب في موائدها، لاسيما وأن أسعار اللحوم سجلت للكيلو الواحد 4200 ليرة سورية للحم الضأن، و875  ليرة سورية للدجاج، وتعتبر هذه الأرقام كبيرة مقابل دخل الفرد الذي لا يتجاوز 200$ شهرياً، وأبسط وجبة غداء يمكن أن يقدمها الفرد لأطفاله دون أي نوع من اللحوم قد تكلفه في الشهر الواحد 50$.

ارتفاع الأسعار وتدني مستويات المعيشة جعلا من عيد الأضحى فرصةً ثمينة أمام الأغنياء للتعبير عن تضامنهم مع الفقراء، وأصبح العيد مناسبة لتوطيد بعض القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية التي أخذت بالاندثار كالتراحم والتكافل الاجتماعي.

وأكد لنا أبو أحمد عضو لجنة مهجري داريا أن عدداً جيداً من الأضاحي يعود لمتبرعين من ذوي الدخل الجيد.
يقول أبو أحمد: “لا يقتصر ذبح الأضاحي على المنظمات والجمعيات الخيرية فقط، العام الماضي وصلنا 16 خروف كتبرعٍ فردي من عائلات ميسورة الحال، وهذا يدل على أن الأضحية تقوي روابط الألفة بين طبقات المجتمع المتفاوتة”.

ختمت أم أنس حديثها إلي قائلة: “بفرح لما توصلنا الأضحية وبتأكد أنو في حدا حاسس فينا وبمعاناتنا، مو مهم ناكل لحمة كل يوم، المهم شوف السعادة بعيون أولادي”.

رغم كل الظروف القاسية التي يمر بها السوريون في الداخل إلا أن أيام العيد تحمل البهجة، وتدخل السرور إلى القلوب، ولحسن حظ الفقراء أن لهم في عيد الأضحى نصيبٌ مضاعفٌ من الفرح.