روان يوسف (عيني عينك) – منذ نعومة أظفاره  يمارس محمد خير عليكي مهنة الطب العربي، واشتهر بخبرته ومثابرته. تعلم مهنة التجبير من والده، الذي كان يرافقه منذ أن كان في السابعة من عمره، أثناء جولاته في مدن وقرى الجزيرة لعلاج المصابين .

 يتابع عمل آبائه وأجداده ليورث المهنة لأبنائه، و ليتواصل ارتباط اسم عائلة “عليكي” بمهنة تجبير العظام جيلاً بعد جيل.

 يقول عن عمله : “في السابعة من عمري كنت أرافق والدي لزيارة المرضى، وكان يعاينهم ويعلمني المهنة أثناء ذلك. كنا نقوم سوياً بتجبير الأطراف المكسورة. وهكذا بقيت معه حتى توفي والدي مطلع الثمانينات من القرن الماضي وورثني هذه المهنة، ومنذ ذاك التاريخ وأنا أزاول هذه المهنة.”

.

ويضيف “أنا ووالدي كنا نستعمل الطحين وبياض البيض لنجبر الكسور، لكن حالياً هناك مادة بودرة بنية (شيريز) وهي مواد مكونة من الأعشاب، أستعملها ونخلطها مع بياض البيض. هذه المادة كانت متوفرة  في الأسواق سابقاً، أما الآن فنقوم باستيرادها من تركيا، ونحن نقوم بتأمينها عليها على الرغم من الصعوبات التي نجدها في ذلك.”

واستقبل يومياً نحو 20 مريضاً أو أكثر في منزلي  بمدينة عامودا. والمنطقة كلها تعتمد علي في تجبير الكسور.

لم يبق سواي…

“ازدادت خلال هذه السنوات حالات الكسور، وازدادت معها أعبائي. في السابق كان هناك مجبر في الدرباسية وآخر في الغنامية، لكن حالياً لم يبق غيري، بسبب وفاة بعضهم واستغناء البعض عن هذه المهنة لتقدمهم في السن. لذا يرهقني العمل بحيث لا أحظى بالراحة مطلقاً. أحياناً أستقبل مرضى من  مناطق بعيدة مثل دير الزور ودمشق وحلب.”

ويقول إنه ما زال يأمل في تحقيق حلمه، وهو فتح عيادة خاصة لمعالجة الكسور بعد كل هذه السنوات من العمل من منزله.

مستلزمات التجبير… هل يمكن تأمينها بسهولة في الوقت الحالي؟

تأثرت مهنة عليكي بالحرب الدائرة في سوريا منذ أعوام، لأنه يضطر الآن لجلب المواد التي يستخدمها في تجبير الكسور من الدول المجاورة، بعد أن انقطعت الطرق بين المحافظات.

” كنت أرغب بافتتاح عيادة منذ زمن، حاولت ذلك أيام النظام، وقدمت طلباً لافتتاحها، إلا أنهم قالوا يجب أن تدفع ضرائب بالإضافة إلى إجراءات أخرى، لذا تركت هذا المشروع. أما الآن سأقوم بافتتاح العيادة التي كانت دائماً حلماً بالنسبة لي.”

لكل شخص طريقته الخاصة

لكل مجبِّر طريقته في كشف الكسر وعن طريقته يقول: «أقوم بتلمّس المنطقة التي يشكو منها المصاب وذلك بطرف إصبعي فيتبيَّن لي إن كان مصاباً بالكسر أو بالخلع أو رض خفيف، إضافةً إلى عوامل أخرى تنبئ لي بالكسر منها سخونة المنطقة المصابة وتورمها مثلاً، هذا إلى جانب الصور الشعاعية التي تكون بحوزة المريض أحياناً».

المواد المستعملة ….. براعة الأطباء بأدوات بسيطة

وفيما يتعلَّق بطبيعة العلاج والمواد الطبية التي يستخدمها يقول: «استخدم المواد الطبيعية حصراً، ويعتبر بياض البيض المادة الأساسية في العلاج لوجود مادة الكلس فيها الضرورية لترميم العظام ومادة أخرى تسمى “الجبارة” وهي مادة مالحة جداً تتكون من النباتات وبودرة الأشجار، نقوم بخلطها مع بياض البيض لنحصل في النهاية على المادة المرنة إضافةً إلى بعض العيدان الخشبية والشاش الطبي، حيث نقوم بتثبيت الطرف المكسور بشكل صحيح ووضع العيدان في الحالات التي تتطلب ذلك، ومن ثم نشدّها بشاش ضاغط بشكل قوي وبعدها نلبِّسها بـ”الجبارة” التي قمنا بتحضيرها، ومن ثم نصف للمصاب بعض المضادات الحيوية الضرورية إضافة إلى عدم تحريك الطرف المصاب لفترة زمنية تُحسب بدقة.

 نسبة النجاح 80%…

بخصوص القدرة الحقيقية لـ”محمد خير عليكي” لمعالجة مختلف الإصابات وبحسب شهادة أهل المدينة فإن نسبة نجاح هذه الحالات تتجاوز الـ80% وهذا بشهادة الأطباء والصور الشعاعية التي تؤخذ للطرف المصاب بعد فترة العلاج. “تأتيني حالات من مختلف المناطق  ولكن لا أُخفي أن هناك حالات لا أستطيع معالجتها وذلك لأنها تتطلب أجهزة طبية دقيقة وكادر طبي ككسر المفصل مثلاً لوجود النخاعات، في هذه الحالة لا يمكنني إلا أن أرسل المصاب إلى الطبيب الذي أثق بقدراته”.

علاقتي مع الاطباء جيدة

وعن علاقته بالأطباء المختصين يضيف: “لي علاقات جيدة مع العديد من الأطباء والتعاون مع المشافي، وخاصة مع الدكتور “محمد علي حسين” اختصاصي العظمية في مدينة “القامشلي”، فكثيراً ما أحضر العمليات الجراحية في المشافي بناءً على رغبة أهل المصاب، أو بطلب من الطبيب المشرف».

توارث المهنة

ارتبطت مهنة “التجبير” في “عامودا” بعائلة “عليكي” فهل ستبقى كذلك؟ وعنها سألنا “محمد خير” فأجاب: إن شاء الله، فأنا الآن أُعلِّم ابني “يوسف” وقطع شوطاً جيداً فيها، وعلى الرغم من الجهد الشاق الذي أبذله للحفاظ على السمعة الحسنة للعمل الذي نقوم به، وهذا كلَّه على حساب راحتي، فكثيراً من الأحيان لا أستطيع النوم أو الأكل بشكل جيد، أو أداء واجباتي العائلية بالشكل المفروض، وهذا كله بسبب غياب المواعيد المسبقة، ولكن يبقى إرضاء الناس أقصى ما أطمح إليه.

لا يزال مجبر عامودا الشهير يعمل بنشاط وحيوية منذ 60 عاماً، بعد أن امتلك خبرة واسعة في هذه المهنة التقليدية التي توشك أن تنقرض. ويُذكَر أن “محمد خير” من مواليد “عامودا” عام 1953.