ريتا خليل (عيني عينك) – منذ بدء شهر نيسان من كل عام، تكون مناطق الشمال السوري على موعد موسمي ودائم مع مهرجان ألوان متنوعة تنتشر في روابيها وسهولها وجبالها عبر مروج من الزهور البرية التي تتفتح معلنة قدوم فصل الربيع فتتحول الأراضي الى لوحة فنية اقل ما يقال فيها انها متناسقة الألوان متناغمة الترتيب.

ليست الطبيعة وحدها من يتجهز لاستقبال فصل الزهور وفصل الربيع فحتى النساء في قرى وبلدات ريف ادلب تعد العدة كما كل عام منذ بدء فصل الربيع لتظهر كل واحدة مواهبها في زراعة الورود والزهور المنزلية عبر سلسلة من التحضيرات اللازمة لهذه العملية والتي تبدأ من تأمين الأوعية التي ستتم الزراعة بها مروراً باختيار التربة المناسبة انتهاء باختيار نوع النبتة التي سيتم زراعتها وحجم الوعاء الذي يناسبها مريم (35) عاماً، ربة منزل، تهوى زراعة الورود لدرجة العشق عن ذلك تقول: “مع بداية خريف كل عام امني النفس بالربيع القادم كي يمنحني فرصة كي أزرع وروداً جديدة لم أزرعها في الربيع الذي مضى، محال أن أتصور فصل ربيع دون أن أمارس هوايتي التي أحبها وهي زراعة الورود”.

المرحلة الرئيسية هي اختيار وانتقاء النبتة المناسبة ويتم ذلك بطرق مختلفة فبعضهن يحصلن على بعض الزهور من صديقاتهن أو الجارات عبر عملية التقصيف والأكثرية منهن يقمن بجولات على بسطات بيع الزهور في أيام البازار ليقمن باختيار أنواع من الورود تستهويهن في هذا العام.

منتهى (33) تقول: “الريحان هو نبتتي المفضلة بالإضافة الى السجاد ولا أتصور أن يمر عام ولا أزرعها في منزلي وهي منتشرة في اغلب البيوت التي أزورها، لكن ذلك لا يمنعني من اختيار تشكيلة واسعة من ورود مختلفة كنبتة الفراشة وفم السمكة وأنواع من القرنفل وهي زهور ما يميزها اختلاف كل زهرة عن الأخرى من حيث اللون، فوجودها بجانب بعضها يعطي تناسقا جمالياً وفنيا”.

من يتجول في الأسواق والبازارات في موسم الربيع يشاهد بسطات بيع الزهور بالإضافة للباعة الجوالة التي تجوب الشوارع والحواري والتي تعرض أصنافاً تتنافس فيما بينها بعرض الجديد وبخاصة المهجنة منها فتتدرج النباتات من الصغيرة كعرف الديك وزهرة جمر النار الى النباتات المتوسطة كالزنابق والورد الجوري وعطر الليل حتى تصل الى الشجيرات كالياسمين والفل والنفنوفة بحسب التسمية الشعبية لها.

عملية الاستعداد لزراعة الورود تبدأ قبل قدوم موسم الزراعة بفترة قصيرة حيث تلجأ النسوة لتأمين الاوعية التي ستستقبل زهور هذا العام وهي في الغالب عبوات معدنية فارغة لمادة السمن او الحليب كانت ربة المنزل قد احتفظت بها بعد أن فرغت في مكان بعيد عن الرطوبة وأعين الأطفال الصغار في المنزل حتى يتسنى لها ان تقوم بتحويلها إلى أصص للزرع، ندى (29) تستعد هي الأخرى لموسم زراعة الورود فتبدأ بتجهيز الاوعية والعلب المعدنية الفارغة لتقوم بإحداث ثقوب صغيرة تتوزع في أسفل العلبة مهمتها تصريف الماء الزائد عند عملية السقاية، تقول ندى: “كنت اشاهد والدتي كيف تحول علب السمن الفارغ وتنك الزيت الكبير الى وعاء تزرع فيه صنفا معيناً من الورود وكانت تهتم بترتيب تلك الاوعية لدرجة انها كانت تدهنها أحيانا بلون واحد هو في الغالب اللون السماوي، وانا ورثت هذه العادة عنها حتى اليوم، لكن الاسر ميسورة الحال توفر العناء عبر شراء اصص الورود من السوق حيث يوجد منها البلاستيكي والبعض صنع من مادة الفخار”.

بعض الفتيات يظهرن مواهبهن وبراعتهن بالتفنن في صناعة اصص الزريعة باستخدام القماش ومادة الاسمنت المجبول، يستخدمن العبوات الفارغة كقوالب ويغمسن قطعة القماش بمادة الاسمنت لتاخد شكل الوعاء بعد ان تجف يعطيها رونقا مميزا وتحفة فنية تلفت الأنظار خصوصا بعد تلوينها بألوان مختلفة عن ذلك تحدثت ليلى (23) عاماً: “مادة الاشغال اليدوية والرسم من المواد الممتعة لدي منذ صغري، وهذه الموهبة الفنية موجودة لدي منذ زمن، وخلال مشاهدتي لوالدتي اثناء تجهيزها لاحد الاوعية خطر ببالي ان احول هذا الوعاء الى شكل جمالي مميز فأجريت تجارب عدة حتى توصلت الى هذه الطريقة البسيطة”.

تعقب مرحلة اختيار الوعاء وتجهيزه عملية احضار التربة المناسبة، وهي عملية ليست سهلة لبعض البيوت التي لا يوجد فيها مساحات تراب بخاصة تلك الطوابق الموجودة في الأبنية الطابقية.

هذا الاحتفال السنوي يحول تلك البيوت الى حدائق متنوعة من حيث اللون والرائحة العطرة، ويستمر ربيعها حتى بعد أن يغادر الربيع السهول والبراري.