صورة تعبيرية

إيمان داراني (عيني عينك) – اعتقل زوجها ولها منه طفل في السنة الأولى من عمره، وبعد أن مضى على اعتقاله  عامان، تم إرسال هويته وأخبروا ذويه بوفاته جرّاء نوبة قلبية. وبعد ان هدأت ثورة الحزن عند أهله بدأوا  بالتفكير بمستقبل الطفل، وكما جرت العادة تم تزويجها بشقيق زوجها المتوفي، قبلت بهذا الزواج إذ شعرت بأنّ لا حيلة لها في الأمر. حملت بطفلها الثاني بعد شهر وقبل أن تضع حملها وبدون سابق مقدمات طرق باب البيت شاب ضعيف نحيل، اختفت ملامحه خلف شحوب وجهه، عرفت فيه رغم ذلك زوجها السابق.

سبق وأن أعلنت منظمات حقوقية وعائلات سورية أن أعدادا كبيرة من المعتقلين قد أظهر النظام مصيرهم، بعد سنواتٍ من الانتظار والمطالبة بمعرفة مصير المعتقلين من قبل الأهالي ومفاوضي المصالحات والهدن، حيث كان جواب مفاوضي النظام  واحد وهو أن المعتقلون مسألة وطنية لا يمكن التفاوض عليها حالياً او جعلها بنداً من بنود المصالحات، كما أخبرنا السيد ‘أبو عماد خولاني’ أحد أعضاء لجنة التفاوض في داريا في فترة حصارها.

فهل جميع من اعترف  النظام بموته  قد توفي حقاً؟ وهل كانت وفاته بالتاريخ الذي ذكر في شهادة الوفاة الصادرة رسمياً؟


بلغ  عدد المعتقلين في سجون النظام من أبناء داريا ( 2809) معتقلاً، موثقين بالاسم  منذ اندلاع الثورة وحتى منصف عام 2018 كما نشرت تنسيقية داريا على صفحتها الرسمية على موقع فيس بوك، وذلك عدا المفقودين الذين لا وجود لأسمائهم  في الأفرع الأمنية أو سجون النظام، وبالأخص ممن  فقدوا منهم في أيام المجزرة الكبرى في 25/8/2012  وذلك لصعوبة معرفة هوية الكثير من القتلى آنذاك.
تقول ‘أم عبدو’ وهي سيدة من داريا كانت تسكن في منطقة الخليج القريبة من مطار المزة العسكري، المنطقة التي دخلها الجيش في أول ساعات  المداهمات في 24 /8/2012 :” بعد أن أوقفوا الشبان بجانب الحائط، أمسكت بيد الضابط الذي أخبرني بأنه حلبي، و توسلت إليه ألا يقتلهم، و استعطفته بدعائي له ولأهله بالأمان، و شعرت أن قلبه قد رق، فقال لضابط آخر أقل منه رتبة على ما أظن: ” لا تقتلوهم خدوهن ع السيارة” فرد عليه  الضابط  مجيباً بأن الأوامر تقضي بعدم جلب الشبان كمعتقلين وإنما تصفية الجميع.
ازدادت وتيرة الاعتقالات بشكل كبير  منذ بداية الحملة العسكرية على داريا في نهاية 2012، ولم تتوقف حتى هذا اليوم.
ومع بداية معاناة الاعتقال في سجون النظام  بدأت معاناة أخرى لذويهم تتمثل في محاولة معرفة مصير المفقودين في المعتقلات رغم خطورة هذا العمل، وكان ذلك عن طريق الذهاب للأفرع الأمنية والسؤال مباشرة  بعد إعطائهم موعداً مسبقاً أو عن طريق ضباط في الجيش وسماسرة مقابل مبلغ مالي ضخم.
“أم راتب” هي شقيقة لمعتقلين تم تسجيل  تاريخ وفاتهما في شهادة الوفاة عام  2013.
تقول: “أرسل إلينا مخفر شرطة صحنايا طلباً للحضور واستلام أغراض أخي الأكبر، والتوقيع على شهادة الوفاة المتضمنة سبب الوفاة، ولكن بعد ان أعلنا خبر وقاته بأيام، وقبل أن نذهب  لاستلامهم اتصل بنا ناج من سجن البالون  وأكد ان أخي نقل قبل أشهر إلى سجن البالون في حمص، وأكد وجوده هناك عام  2014.
بعد أشهر و صلهم خبر آخر من ناج آخر يؤكد حياته، ولكن أم راتب كانت قد أعلمت  في القضاء العسكري عن وفاة خمسة من أفراد عائلتها من بينهم أخواها، علماً أنهم غير متوفين في السجل المدني.
كان من بين الخمسة “إسلام” الذي يقبع والده هو أيضاً في سجن عدرا منذ سبع سنين، وقد تُرّخت وفاته في 15/1/2013 مع خمسة آخرين من النشطاء السلميين من شباب داريا، وممن كانوا يوزعون الماء والورود لعناصر الجيش محافظة منهم على سلمية الثورة، لكن أبو إسلام يرفض تصديق خبر وفاة ولده، ذلك أن أحد المعتقلين الذين نُقلوا إلى سجن عدرا أخبره أنه رأى إسلام في عام 2014 أي بعد التاريخ الذي كتب على شهادة وفاته.
لكن الناجون من  سجن صيدنايا تحدثوا كذلك عن مجزرة حدثت في ذلك التاريخ، حيث أوقفوهم تحت درج  خارج غرف المعتقل، وتم إعدامهم كما ذكر “عبد الرحمن” أخو إسلام على صفحته.
في الواقع  تمت تصفية الكثيرين من المعتقلين  من أبناء داريا، وكانت آخر الوثائق المرتبطة بالموضوع هي  القائمة  التي تضم أسماء ما يُقارب ألف مُعتقل من مدينة داريا بريف دمشق، وصلت من الأفرع الأمنية  إلى دوائر النفوس.
أوردت صحيفة عنب بلدي في مقال تحت عنوان داريا تخسر ورودها تصريحاً عن منسق عام رابطة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، ‘دياب سرية’ المعتقل السابق  في سجن صيدنايا يقول فيه بأنه لا يجزم بأن يكون هذا التاريخ موعد التصفية الحقيقي، مشيراً إلى أن تواريخ القوائم قد تكون اعتباطية مستشهداً بحالات معتقلين شوهدوا بعد تواريخ وفاتهم، لكنه رجح أن يكون المعتقل الذي يصدر بيان وفاته دون سبب مباشر قد أعدم ميدانياً”.

لكن  كلمة متوفٍ التي أضيفت لسجل المعتقل لم  تفلح في إقناع الكثير من ذوي المعتقلين  بموته بعد حرمانهم  ظلماً  من وداعه ومواراته التراب، وأن يكون له قبر كما باقي البشر فيقطعوا بذلك الشك باليقين.
‘أم أحمد’ سيدة من داريا ابنها أحمد معتقل منذ عام 2014  ترفض مراجعة دائرة النفوس للتأكد من حالته، تقول:”أريد أن أعيش ما بقي لي من العمر على أمل لقائه، ولن أصدق خبر موته مالم أر ذلك بعيني”.
وقد سبق هذه القوائم ما سميّ بتسريبات قيصر، وهي صور من قضوا تحت التعذيب، لكن حتى من تعرّف بصعوبة على من يخصه من صور قيصر لم يجزم بالأمر، فبعض الصور  تم التعرف عليها من قبل أكثر من عائلة وذلك للشبه الكبير بين الجثث بعد انتفاخها، وهذا ما حدث مع عدد من عائلات داريا.


ما غاية النظام السوري من تسريب أسماء المعتقلين المتوفين؟
لعل المتابع لملف المعتقلين بين عامي 2011 و2012 يجد أن النظام كان يحاول عبر وسائله الإعلامية تكذيب خبر موت المعتقلين تحت التعذيب، بعد أن يكشفها الناشطون بطرق كما في قضية زينب الحصني، والبالغة من العمر تسعة عشر عاماً من حمص، عندما بثت قناة إعلام النظام  فيديو لها وهي تُكذب خبر موتها بعد أن وثقه ناشطون، وقد اتُهم النظام السوري  يومها بإظهار شخصية شبيهة بزينب في ذلك الفيديو، وذلك لشهادات جاءت من داخل مشفى حمص  العسكري تؤكد مقتلها، ‘ابو حاتم’ من داريا  وهو عسكري منشق منذ بداية 2013، كانت خدمته طبية في مشفى حمص العسكري، أكد خبر وفاة زينب تحت التعذيب، وقال :” طُلب  من اثنين منا في المشفى تكفين جثة الفتاة وقد فصلت بعض أجزاء جسدها، فأحجموا وحاول الباقي الخروج من الغرفة والتهرب من هول المشهد، لكن الضابط ألزم الجميع بالوقوف أثناء تكفينها تحت التهديد”.

يرى  متابعون أن النظام يحاول التخلص من أهم الملفات الإنسانية التي آلمّت غالبية السوريين طوال السبع سنوات، وهو ما يشكل أقوى أوراق الضغط عليه، بعد أن أخضع البلاد بالحديد والنار، فبدأ  بتبيض السجون  وطي ملف المعتقلين ليضمن  بذلك  عدم سؤال أهالي المعتقلين عنهم، ليتمكن بذلك من دخول المفاوضات دون هذا الملف الشائك.
يقول السيد ‘أبوعماد’ : “نخشى من  قيام النظام بمجازر أفظع في سجونه، ذلك أن الموقف الدولي تجاه هذا الملف ضعيف للغاية، ولا يلقى اهتماماً كافياً من المنظمات الحقوقية والأمم المتحدة، مما يجعل النظام في أمان من المسائلة، خصوصا أن أهالي المعتقلين باتو في مناطق النظام مكمومي الأفواه ومغلولي الأيدي، ولا يسمح لهم حتى بإقامة عزاء لمعتقلهم المتوفى، مما يؤكد ازدياد عدد ضحايا السجون هو الأخبار التي تتسرب عن سوء الحالة الصحية للمعتقلين،
ويرى ” محمد أبو الجود” بأن النظام يوجه رسالة للسوريين عامة ولأهل داريا خاصة، أنه قد وأد كل أشكال الاعتراض، ولا مجال لمجرد الهمس في بلد الأسد، و ينسى السوريون آلام المعتقلين بتقادم الأيام ويطفئ نار الانتقام في نفوس ذوي المعتقلين والمعارضين”.


هل سينسى الشعب السوري مأساة معتقليه بعد محو أثرهم؟
كتب الدكتور ‘إحسان الحسين’ من سكان مدينة داريا- وهو الطبيب المعروف بهدوئه وسماحته -على صفحته بعد نبأ توثيق الألف شهيد من معتقلي داريا :”لا تسامح ولا تصافح، واجعل يمناك مدية في فم الجلاد حتى يتذوق  الموت المحشرج والمزرق و أُصغ إلى بعض من عذاباته مستمتعاً  واسترجع بعضاً من أصوات أهلك  وأخواتك وأمهاتك  في زنازينه وقاعات تعذيبه ومجازره، ادفع عمرك  ثمناً للحظة من ذلك”.
أما السيدة ‘خديجة’ وهي شقيقة لأربع معتقلين منذ عام 2011 والتي وصلها خبر موت اثنين منهم تحت التعذيب، تقول  بعد أن شاع نبأ السماح لأهالي داريا بالعودة إليها: “كنت أرفض العودة لأن الوطن هو الأهل  والأقارب، هو أناس يشاركونك الأرض ويشاطرونك الهموم فيها”.
والأهل قد تمزقوا بين مهجر ومعتقل وشهيد ومفقود، لكنني اليوم أصر على عودتي الى داريا لأجعل من كل شهادة وفاة قبراً  لصاحبها يقض مضجع المجرمين بإحياء ذكراهم كل لحظة وستشتعل يوماً تلك الشهادات نارا تلظى يصلاها جلادوهم”.