صورة أرشيفية

آية محمد (عيني عينك) – كان مصطلح النزوح كلمة فضفاضة تطرق مسامعي في كل مرة أجلس فيها بجانب والدي أمام التلفاز حيث كان كل مذيع أو مذيعة يتلوها بطريقته واصفاً أحوال عائلة فلسطينية نزحت وهي تأمل بحق العودة. لم أكن أعلم حدود الحزن والألم والحنين الذي يختبئ في حضن هذه الكلمة ذات الأربع حروف، لم يجذبني أدباء النزوح في كتاباتهم ولم أتخيل خيمة “أم سعد” ولم أكن أعي ما قاله غسان كنفاني على لسانها ( خيمة عن خيمة تختلف) وكنت أمتعض كثيرا من قصائد محمود درويش حول الوطن وبائعي الوطن.

كنت أجمع ألعابي وأسرح و أمرح و أحيانا أرقص مع صديقاتي اللواتي تجمعني بهن براءة الطفولة  وألفة أعوام عشر انقضت دون أن نحتسب ساعاتها وثوانيها لم نكن ندرك أهمية اتساع المكان وضيقه ولم ندرك قيمة كسرة الخبز اليابسة وبقايا الأكل الملقاة على قارعة الطريق ولم نكن نعي قيمة اللمة التي كانت تجمع نساء الحي المتجاورات ليتحدثن عن شتى نواحي حياتهن اليومية ومشاكلهن الأسرية، كل هذا كان قبل عام 2013 التائه بين المكان واللا مكان.

في صبيحة الثالث من آذار من نفس العام جمع الكل ما استطاع أن يحمله من أمتعة الجميع يكيل شارع الحارة ذهاباً وإياباً، تقاطعت الخطى وثرثرت الألسن وخططت العقول واختارت جهة الرحلة الأولى. كل منا ألقى نظرته الأخيرة على منزله، أحكم أغلاقه وتزاحمت الشاحنات والسيارات في شارع حارتنا الضيق وأختلط صراخ النسوة والأطفال بصوت مزامير الحافلات.

تحركت العجلة نحو المجهول واتجهنا خارج المدينة سالكين طرق فرعية متجنبين مناطق الا شتباك وأماكن القصف أتقت الطرق الفرعية بطرق رئيسية والطرق الرئيسية بطريق رئيسي متجه نحو الريف الشمالي اكتظ المكان بالمكان و ارتسمت صورة المحشر أمام عيني.

الجميع كان له بيت و حارة وأهل و أقارب وكان كل منهم يمتلك أسباب الحياة من مأكل وملبس ومشرب و مسكن لم يصل يوماً مهما كان خياله خصباً إلى أن يتصور أنه سيكون يوماً واحداً من هذا الحشد العظيم من النازحين حتى عندما كان يشاهد الصور والفيدوهات المؤلمة التي كانت تبثها وسائل الاعلام على شاشاتها.

ما زلنا داخل محيط المدينة قبل أن نتجه شمالاً حيث صندوق الحافلة الصغيرة ضاق بنا بالكاد اتسع لعائلتي وأخوتي ونساء أخوتي و أطفالهم متكومين فوق ما استطعنا حمله من حاجات ضرورية كنا نأمل أن تسد ما نحتاجه خلال الرحلة التي كنا نعتقد تدوم لثلاثة أيام لا أكثر

على حافة الطريق تمددت جثتان لرجلين كان دم أحدهما لا يزال يسيل ببطء، وشاهدنا أناساً حفاة مشاة تتوسل أعينهم السيارات الهاربة عسى أن تنقلهم.

عند أول حاجز أجتمعت كل قوافل النازحين الهاربة طلبوا من كل واحد منا إنزال أغراضه على الأرض للتفتيش وقفنا ساعات طوال حتى أتى دورنا ثم أرسلونا مرفقين بسيارة عسكرية الى المخيم وصار حلمنا أن نحصل على خيمة بطول أربعة أمتار تقينا برد الشتاء الذي بدأ منذ أيام ينخر في أجسادنا.

بدأت معاناتنا الآن، وصدقت ما شاهدته على القنوات الفضائية من الصور والتقارير الصحفية عن معاناة النازحين في مخيمات لبنان و الأردن وأيقنت أنها حقيقية ولم تنقل إلينا نصف الصورة التي شاهدتها الان:

امرأة أرملة باتت الليل ساهرة أدمى الجوع والسهر والخوف عينيها وكلت يديها اللتين تحي الليالي بهما تبعد قطرات ماء الثلج المتساقط من سقف خيمتها عن أبنائها النيام المنكمشين كخرق رطبة متجمدة تحت أغطية مبللة وفق فرش مهترئة

رجلان يتعاركان وسط جمع من النازحين على معونات التشهير الإعلامي التي تحوي من الذلة والمنة أكثر مما فيها من العون والغوث، في صراع موت من أجل الحياة ليحظى كل منهما ببعض كسرات من أرغفة تجعل شبح الموت ينزح عن أجساد أطفال تكدسوا كالجثث الجوعى للحياة.

شاب في مقتبل العمر يحبو زاحفا  يرتاح كل بضعة امتار ليمسد فيما تبقى من ذراعيه اللتين التي فقدهما أثناء القصف الهمجي.

رجل مركون على أسوار المخيم، رث الهيئة ذا قسمات منعمة تختبئ خلف جراح قهره ومظاهر جنونه، يمتص نسغ الحياة من عقب سيجارة لا يلبث أن ينفث منها هباب حقده ليطالع في سحب نسجتها آهات صدره  يتخيل من خلال دخانها أولاده الثلاثة و زوجته الذي تركهم تحت ركام منزله المتهدم فوقهم بينما هو كان في مكان اخر أثناء القصف.

شيخ يلتحف السماء هو وزوجته العجوز وثلاثة من أحفاده الصغار على رصيف المخيم فراشهم فيها بقايا كرتونة استعارها من حاوية القمامة الحجارة التي تحتها تدك عظامهم وقهرهم سمعت وقرأت عن المليار دولار لإعانة مليوني نازح بحسب آخر إحصاء رسمي، وقد اضطرني الأمر مرة أخرى إلى استخدام الحساب كي أعرفَ حصتي وحصة عائلتي من أموال الإغاثات الدولية الحلال، إذ قسمت المليار دولار على المليوني نازح فعرفت أن حصة كل نازح هي 500 دولار (هل أخطأت في الحساب؟). وبما أن أسرتي مكوّنة من سبعة أفراد فهي تستحق 3500 دولار، أي ما يعادل مليوني ليرة تقريبا، وهو مبلغ يكفينا لعام كامل هنا بعدما أتقنت فنّ التقشف، وربما أكثر من ذلك قليلا إذا ما نحّيت  مفردات جديدة من قائمة احتياجاتي الضرورية. لكن أحدا لم يسأل عني، ولم يتصل بي لإيصال حصتي هذه حتى الآن، وأنا على ثقة عالية بأنني لن أحصل عليها. فأنا بعيد جداً عن اللجان (النزيهة!) التي أخذت على عاتقها إيصال المبالغ إلى مستحقيها، فضلا على أن ما أراه يومي من سوء أحوال النازحين وبؤسهم وموتهم البطيء وهم على مرمى حجر من جولات هذه اللجان المتنعمة بالإفادات والامتيازات وغيرها، ولا شك في أن أعضاء اللجان يقومون بعمل وطني وإنساني جبار ولا بد لهم من مكافآت مجزية يقتطعونها طبعاً من المليار دولار المسكين الآنف الذكر، فالنازح وقد ترك بيته وعمله ومستقبله وكلّ ما يحب لن يضره إذا لم يحصل على بركات المنحة المقررة له، أو يحصل على نصفها أو ربعها، ولن يضره كثيراً إذا كانت الخيمة التي يسكن فيها مع أسرته لا تقيه برد الشتاء ولا حر الصيف، فهي في النهاية خيمةٌ سواء بخمسمئة دولار أو بأربعة آلاف دولار، وطالما أنه ترك بيته فعليه أن يتحمل وينتظر ولا يحقد إلا على نفسه.