صورة أرشيفية. تصوير: مرام المحمد

رند الشامي (عيني عينك) – مات الزوج فأي حياة ستكون بعده وكيف ستواصل هذه المرأة المفجوعة حياتها؟ و كأنه لم يكفها فقدان أقرب الناس إليها لنقيدها بأعراف وقوالب و كأنها تعني ( لقد متِّ مع من مات) . لم تستطع المجتمعات الشرقية إلى الآن أن تعي استقلال المرأة  وتفرد كيانها فأصبح الزواج الأول للمرأة هو الزواج الأبدي حتى لو انتهى الزواج بالفشل أو موت الزوج .

من طبيعة الحرب أنها تحمل معها الموت وعندما يكثر الموت تصبح الحالات النادرة ظاهرةً و اجتياحاً.

لقد تسببت الحرب بفقدان آلاف الزوجات السوريات لأزواجهن وقبل أن تنهي المرأة حدادها على من تحب سيصل إلى مسامعها خبر الفقد الثاني، فقد حقها بالاستمرار في حياتها . نعم ستسمع عبارات تبلغ عتبة العار إن فكرت بالارتباط مرة أخرى.

تقول السيدة ايمان البالغة من العمر 22 عام : ” بعد وفاة زوجي تقدم لطلب الزواج مني زميلي الذي يعمل كمدرس في نفس المدرسة التي أعمل بها  وكانت ردة فعل جميع من حولي كارثية لدرجة أنني كرهت نفسي و تمنيت الموت  لأن المجتمع ينظر لمن تفكر بالزواج مرة ثانية وكأنها امرأة دون شرف. هذا الأمر جعلني أرفض الزواج على الإطلاق ومع ذلك لم يتوقف الكلام و الذم  بي بسبب خطبة ذلك الشاب لي، حتى أشعرني هذا المجتمع بأنني السبب في وفاة زوجي “.

و تقول السيدة نوران البالغة من العمر30 عاماً: ” لقد أجبرني والدي على ارتداء الغطاء الأسود (الباجاي) رغماً عني بعد ترملي وطلب مني عدم التفكير في الزواج مرة أخرى كي لا أتسبب له بالفضيحة الكبرى كما يقول. و ها أنا ذا أعيش وحيدة بقية عمري حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً”.

بعض النساء رفضن أن يمتن مرتين فتمردن على ما جذَّره المجتمع من أعراف بالية وقررن بأن الحل هو الاستمرار والزواج مرة أخرى وبناء بيت جديد و أسرة جديدة تثمر أطفالاً جدد و أحلاماً جديدة و باختصار تثبت حقها في الحياة ضاربة عرض الحائط بكل تجريح أو إساءة محتملين. فهذا الحق أعظم و أكثر قداسة من تقييمات بالية لم تشرعها سماء أو يقوننها بشر وبغض النظر عن النتائج  فشرف المحاولة يكفي و ما ستحصل عليه من ثمار سيرضيها لأنه زرعها و قطافها .

السيدة مروة التي تبلغ من العمر 34 عام  تحدثت عن تجربتها وقد امتزج صوتها  بالبكاء : ”  كان من غير المسموح لي بأن أتزوج ثانيةً بعد وفاة زوجي. لكني أحببت زوجي الحالي وتحديت أهلي و المجتمع و تركت الشام لأجله وسكنت بعيداً عن الجميع لكن زوجي بدأ يعاملني كجارية لديه ويعيرني بأنه يقوم بتربية أولادي من زوجي الأول  في الوقت الذي أعمل خادمة في المنازل لأصرف عليه و على أولادي. هو يعلم أنني لا أستطيع العودة إلى أهلي ولا أستطيع أن أشتكي عليه لأنه هددني إن فعلت فسوف يقتلني و لن يطالب بي أحد. نعم هو يفعلها . فأنا الآن لست خادمة عنده فحسب بل عبدة لديه و لدى  جميع أفراد عائلته”.

 و تتحدث السيدة رقية 31 عاماً عن تجربتها الفاشلة قائلةً : ” بعد وفاة زوجي تعرضت للكثير من الضغوط فقررت تحدي المجتمع و قبول الزواج من شاب بشرط أن أقوم باصطحاب أولادي لبيتي الجديد و رضي بذلك. و بعدها قامت الدنيا و لم تقعد من قبل أهالي البلدة فأنا قمت باختراق هذه العادات و التقاليد  والجميع وصفني بأشد العبارات قساوة كقلة الوفاء لزوجي القديم و أنني قليلة الشرف  حتى شعرت بعدم رغبتي في رؤية أحد سوى أولادي وزوجي الجديد.  لكن  بعد زواجي بفترة قصيرة بدأ زوجي بالتلفظ بألفاظ التي سمعتها من المجتمع سابقاً  فكانت مخزية لي  وبدأ يضربني و يضرب أولادي حتى وصلت لمرحلة لم أستطع فيها التحمل و لم أستطع الاستمرار حتى طلبت الانفصال وتنازلت عن كل حقوقي كي يتحقق ذلك  ” .

لم يكن هذا الفشل مرتبط بالمرأة بل كان بسبب البيئة المحيطة بها فقد تحدثت السيدة أماني عن تجربتها الناجحة قائلةً :” لقد اختفى زوجي بعد تفجير نفذته داعش به و رفاقه و لم نستطع الوصول الى جثته أو أي معلومة عنه و بقيت أنتظره لمدة سنة حتى تأكد الجميع أنه قضى في هذا التفجير الارهابي و في هذه الفترة طلب أهل زوجي مني  الزواج بولدهم الأصغر إن أنا وافقت . لم أك أستطيع اظهار موافقتي بسبب الحياء و بسبب وفاة زوجي الذي هو ولدهم . لكن ما شجعني على الموافقة هو الفكر الذي يحترم الانسانة الأرملة في هذه الأسرة حيث قالت لي شقيقة زوجي بأنه من حقي الزواج بأي شخص و ليس فقط شقيقها و هي و جميع من حولها سيقفون معي . نعم تزوجت من شقيق زوجي الأصغر و أصبح لي منه طفلة صغيرة نحبها جميعاً  و أنا سعيدة معه جداً” .

لا يخلو الأمر من أخريات ارتضين بثوب الأعراف البالي  فالوفاء لمن لم يعد موجوداً هو لا يعني أن ندفن ذواتنا  لأجل إرضاء المجتمع  وإذا أخذنا الأمر بمنحىً وجداني سنوقن أن الزوج المحب لا يقبل بوأد فرص من يحب في الحياة من بعده. أما تقييم موقف الرجل الكاره و الأناني فهو أمر يدخل عتبات اللا إنسانية و اللا جدوى و ليس من المهم ان كانت ستنجح التجربة الأولى أو ستفشل الثانية أو بالعكس بل المهم هو تمكين هذه المرأة الإنسان من حقها في تقرير مصيرها  فيما سيتبع من حياة  فهي حياتها هي، لا حياة واضعي الأعراف، و بديهياً ليست حياة الزوج الراحل، وبيقين نضيف أنها ليست حياة الرجل القادم كذلك، هي حياتها، وملكها فقط .