سلام الشامي (عيني عينك) – التقيتها صدفة أثناء امتحاناتنا الجامعية، زينب ابنة مدينة الزبداني، لم أرها منذ اندلاع الثورة. كان التعب قد نال مني بعد عناء الطريق، وكان يبدو عليها التعب والخوف كذلك، بادرتها بالسلام. فبدأت بالقول :”أصبح علينا الخروج باكرا لنلحق بالفحص، فالعبور على الحواجز يحتاج وقتاً وصبراً أيضاً”. أكدتُ لها أني أعاني مما تعانيه، فالأوضاع في أرياف دمشق لم تكن مستقرة، بينما تخضع مداخل العاصمة لإجراءات أمنية مشددة.

كانت الزبداني حينها من المدن الثائرة في وجه النظام، فاطمأننتُ لزينب وبدأت أبثها شكواي وتبادلني نفس الشكوى. في تردي الوضع الأمني، وما قد ينتظر الناس مستقبلاً. إلى أن صارحتني أنها ستقوم بتقديم طلب للحصول على كشف لعلاماتها الامتحانية، ونصحتني بفعل ذلك أيضاً. استغربت فسألتها “ولم سنحتاجه ونحن على أبواب التخرج؟ ”  فأجابت ” يمكن بأي وقت يوصلوا لهون ويوقفوا الجامعة، وبكشف علامات بقدر أثبت أنو أنا طالبة جامعة” ثم أضافت وقد ازداد شحوب وجهها “مبارح كمشوا قرايبنا وضربوه لأن عم  يساعد الجيش” تفاجأتُ من كلامها فقاطعتها “ما فهمت.. من يلي كمشه؟ ” ردت : “المسلحين يلي عم يقولوا هنن جيش حر” فازدادت  دهشتي وعرفتُ أننا في طرفين نقيضين. أضافت زينب والخوف يسيطر عليها” نحنا خايفين هلأ ياخدوا بابا لأنو لهلأ ما انشق!” أرادت أن تكمل لكنها توقفت فجأة. ونظرت إلي بصمت وبادلتها نفس النظرة لعدة ثوان، خُيل إلي أنها امتدت لساعات، وكأن كل واحدة منا استرجعت الحديث كاملاً فعرفت توجه الأخرى، ومن تقصد بحديثها. مشينا عدة خطوات، لكن سرعان ما ودعنا بعضنا البعض بحجة اللحاق بالفحص، دون أن نعلق على الحديث بأية كلمة.

التفّت تلك الفئة من السوريين من ضباط عسكريين ورؤساء الأفرع الأمنية والتجار المتنفذين، وكل من له صلة بعائلة الأسد أو منفعة معهم برمتها حول النظام السوري منذ بداية الثورة، بعد أن سيطروا على موارد الدولة  الاقتصادية منذ استلام الأسد الأب للحكم. وامتصوا خيرات السوريين واستعبدوهم في أسواق العمل ومؤسسات الدولة، فناصبوا العداء كل من ينتقدهم، ويبدي توجهاً أو رأياً مخالفاً لهم ولو بكلمة، علاوة على تخوين صاحبه كائناً من كان. زاعمين أن الثورة ما هي إلا مؤامرة كونية، وأن من يطالب بالحرية والعيش الكريم هم من ينغصون عليهم معيشتهم. فأيدوا النظام بحملاته العسكرية على الثائرين في وجهه، وذلك خوفاً من تعرض مصالحهم المرتبطة بوجوده للخطر.

تمكن النظام بعد سنوات من القمع من تهجير المعارضين له إلى الشمال. وسط فرح عارم بين شريحة المؤيدين الذين ظنوا أن باباً من العيش الرغيد سيفتح لهم . فنشروا التغريدات التي تمجد قائدهم المفدى ونصره المزعوم. لكن الأمر لم يستمر طويلا فالحال قد انقلب عليهم بأسوأ مما كان. فلا نتيجة لذاك النصر سوى غلاء في الأسعار، وانقطاع في الكهرباء، وندرة في المحروقات، وصعوبة في تأمين المواد الأساسية للمعيشة. ما خلق موجة من التذمر والاستياء ضمن القاعدة الشعبية للنظام، تحولت لحملات تنشر عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

فالحرب لم تنته وإنما بدأت ولكن على من بقي في سوريا. كما زعمت الإعلامية “ماجدة زنبقة” إحدى  قدامى مذيعات التلفزيون السوري، والتي انتقدت في منشور لها على الفيس بوك الوضع القائم في البلاد. معتبرة أن من تم تهجيرهم خارج سورية هم أفضل حالاً منهم، وأن الوضع يتجه من سيء إلى أسوأ. وأن السرقة قد زادت، والدولار في صعود، والكهرباء في وضع سيء جداً. كما ندبت حظها وحظ جميع المؤيدين فقالت “نحنا يلي أكلناها بإيدينا ورجلينا”.

ما لبث أن انضم لهذه الحملة كثير من الفنانين، فالمطرب شادي أسود الذي كثيراً ما تغنى بالجيش السوري وبطولاته، وعرف بولائه للأسد اعتبر أن استمرار الأوضاع على ماهي عليه ستدفعه كغيره من الشباب السوري للهجرة ومغادرة سوريا. فالوضع لم يعتد يحتمل بعد ثماني سنوات قاسية من الحرب.

أما الاعلامي “وسام الطير” مدير شبكة “دمشق الآن” الإخبارية والموالية للنظام. فقد كان كبش الفداء لكل من تسول له نفسه الشكوى من فساد الدولة أو المطالبة بالإصلاح، حيث اعتقلته المخابرات السورية على الرغم من منزلته المقربة من أسماء الأسد. ولم يعرف مكانه أو مصيره بعد. وقد رُجح سبب الاعتقال إلى استطلاع رأي أجراه الطير عن سوء الوضع المعيشي في دمشق في ظل ندرة الوقود.

تتابعت تلك المنشورات  في أوساط المؤيدين مستغيثة تارة بالحكومة وتارة برأس النظام، لكن ما من مجيب! فقد اغتيلت حرية التعبير في البلاد منذ أن اقترنت لاحقة الأسد باسم سوريا. ومن وضعوه في برج عاجي يوما فقبلوا صوره وسجدوا لها. ووقفوا بصفه في وجه من طالب بالإصلاح، لم يستمع لمناشداتهم أو يلق لها بالاً. بل واكتفى رئيس مجلس الشعب في نظامه  بوصف الحملات التي تنشر على  مواقع التواصل الاجتماعي بأنها تزعزع الأمن وتخلق بلبلة في الداخل. كما لمح بتخوين من ينشر ذلك، فأكد أن هدفها خارجي وأنها تدار وتدعم في أغلبها من الخارج.