سيرين مصطفى (عيني عينك) – يرمي وليد المجلة التي أمامه بغضب بعد أن قرأ تقريراً وقصتين عن الطلاق تصور المرأة كضحية مُطلقة والرجل كوحشٍ ضاري، ناهيك عن تركيزهم على آثار الطلاق على المرأة وحدها و كأنها هي فقط من تعاني بسبب الطلاق، فتمنى لو بإمكانه الصعود على منبر الجامع في حارته ليحكي بأعلى صوته للناس ما حصل معه بسبب تجربة زواجه الأولى التي كللت بالفشل بعد أن نتج عنها 3 أطفال.

يقول وليد: “أقف محتاراً في منتصف شجار نشب بين إبنتي ذات الأربع عشر عاماً و زوجتي، دون أن أعلم إلى صف من سأقف، خصوصا أن كلا الخيارين يؤديان بي إلى مشاكل” فإذا ما وبخت ابنتي، ستنهال علي انتقادات الناس اللاذعة كالمطر، مطلقين  علي لقب”أبو بدر”، لكن في نفس الوقت استبعد خيار الوقوف لصالحها، خشية أن أتعرض لتجربة طلاق ثانية، فالتزم بالصمت حتى يسيطر الملل على الاثنتين. ولا تتوقف المعاناة خلال النهار عند ذلك الحد، بل كل ما وقع ناظري على أولادي الثلاثة، وتحسست الفراغ المسيطر عليهم إثر غياب أمهم عنهم، أشعر وكأن روحي ستفارق جسدي”.

ليس وليد وحيداً في الساحة، حيث تشير الإحصائيات إلى أن  الطلاق خلال 2017 ارتفع إلى 31%، حيث بلغت عدد حالات الطلاق في دمشق 7703، ويعزى ذلك الازدياد لأسباب تندرج تحت إطار الحرب.  كما يوجد تزايد في حالات الطلاق في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، حيث أن الفكرة السائدة عند نسبة كبيرة من الناس في تلك المناطق، هي أن المرأة فقط  من تخسر في هذه المعركة، في حين هناك واجبات ومسؤوليات تقع على عاتق الرجل، يفرضها الدين، وتؤكد عليها العادات والتقاليد، ناهيك عن النقد المجتمعي الذي سيلحق به.

يقول وليد: “حالي كحال كثير من الرجال، لم أجد سبيلاً للتفاهم مع زوجتي، فاخترت الطلاق، غادرتني زوجتي، فحل بدلاً منها كلام الناس، فمنهم من لامني بقوله:”لو أنك زلمي ما بتطلقها، في ألف طريقة للتعامل مع مرتك”، كما أني لاقيت الويل حتى وجدت أنثى تقبل الزواج بي، إذ اتهمتني طليقتي بالبخل وبأنني كنت أضربها، كما تطرقت لتفاصيل خاصة، وكل ذلك كان لا يمد للحقيقة بأي صلة قرابة، مما شوه صورتي أمام الناس، علاوة على ذلك  كوني أنا من اخترت ذلك الحل، توجب علي دفع المهر كاملاً، مع أنه كان مبلغاً كبيراً ولكنني ملزم به بحسب الشرع”.

وذلك ما أكد عليه أبو محمد (أحد المشايخ الذي تلجأ له الناس لمثل ذلك الغرض)، ويقول الشيخ:”في حال  طلق الرجل زوجته ثلاثاً وكان بادرا منه، فذلك يعد (بائن بينونة كبرى)،  فتستحق الزوجة في هذه الحالة كامل المهر( المقدم والمؤخر )، أما إذا كان الطلاق رجعياً فتستحق المرأة في فترة العدة النفقة والمسكن الملائم”. كما ذكر إذا كانت المرأة هي من أصرت على  الطلاق لسبب شرعي تعطى كامل حقوقها، أما في غير تلك الحالة فلا تأخذ منها شيئاً.

وعن الأسباب الشرعية التي تبيح للمرأة طلب الطلاق يقول الشيخ: “عدم قدرة الزوج على الإنفاق على زوجته وبيته،  كذلك غيبته عنها مدةً طويلةً، بحيث لا يُعرَفُ أكان حيّاً أم ميتاً، أو وجود العيب الخَلقيّ في الزوج شريطة عدم علم الزوجة به قبل زواجهما، و عدم رضاها بذلك العيب بعد علمها به، مثل استئصال العضو التناسلي أو ما يعرف شرعاً (بالجب)، و العنة أي عدم القدرة على ممارسة العملية الجنسية بسبب ارتخاء العضو التناسلي، بالإضافة لذلك من الأسباب الإضرار بالزوجة سواء ماديّاً مثل ضربها ضرباً مبرحاً أومعنوياً كهجرها في الفراش بدون سبب،  سبّها وسبِّ أبيها، كذلك فسوقه ورفضه النصائح الموجهة إليه، وتضرر الزوجة من سفر زوجها الطويل فلها الحقّ في طلب الطلاق إذا خشيت على نفسها من الفتنة بغياب زوجها أكثر من ستة أشهر ومن العلماء من قال سنة، أو منع الزوج لزوجته من رؤية والديها”.

ويكمل وليد:”على ماذا أصبر، أو عن ماذا أغمض عيني، على التعب والجهد في العمل، أم الشجارات والشكاوى في المنزل، أو نظرات حرمان في عيون أطفالي وتنهيدات تعب وضجر من زوجتي،  ناهيك عن المتطلبات والمسؤوليات، أنا محتار حقا؟ ما الحل؟ هل أعوض الخسائر المادية؟ أم أغلق الأفواه التي تتحدث عن بسوء، أم أقسو على زوجتي أو أولادي؟ أتمنى لو أنعم بدقائق يرتاح فيها بالي”.

في حين ينعكس تراكم  الضغوطات سلباً على الرجل، فاحتمال أن يمر بأعراض اكتئاب وقلق، مما يقلل من مشاركته الإجتماعية، وتنخفض طاقته، فيفشل بأداء واجباته، كما أن الضغوطات النفسية كفيلة بأنها توصله لحالة التنمر الاجتماعي على العائلة أولاً و على المجتمع من  حوله. مما يدفعه للميل إلى العنف والسلوك العدواني.أما الطفل ففي حال انفصل والديه عن بعضهما، تضعف شخصيته، كما تنمو لديه عقدة النقص التي تنشأ بإحساس الطفل أنه يفتقر إلى السند، إلى جانب عقدة الحرمان و ماينتج عنها من آثار نفسية مدمرة للطفل وخاصةً إذا كان الوضع المادي متردي.

“الطلاق أمر واقع لذلك يجب علينا أن نفكر بحلول للحد من نسب الطلاق التي باتت ترتفع بشكل ملحوظ ،ولايعود سببها على الزواج المبكر فقط، بل هناك العديد من الأسباب المباشرة وأهمها الحرب والأوضاع المعيشية الصعبة ،إلى جانب تغيير البيئة المحيطة بالهجرة، وغياب الوعي، ناهيك عن ضياع مفهوم تحديد الغاية الأسمى من الزواج  ألا وهي تكوين أسرة،إذ هناك ضياع للبوصلة المجتمعية بشكل كبير”ذلك ما أخبرتنا به رشا الغوطة مدربة في مجال الصحة النفسية خلال لقائنا معها.


وأضافت:”من خلال تجربتنا في الداخل السوري التي لاقت تفاعلاً، اعتمدنا من خلالها على ورشات توعية للفتيات والشباب المقبلين على الزواج، والمتزوجين حديثاً، حتى أننا استضفنا المتزوجين الذين يتعرضون لضغوطات نفسية من شأنها أن تؤدي للطلاق. واعتمدت هذه الورشات على تمارين عملية ومناهج تفاعلية بعيده عن جو المحاضرات التقليدية،  كما عملنا على تفعيل دور الاستشاري الأسري في المجتمع وتقريبه من الفئات المستهدفة بطريقة غير مباشرة . إلى جانب القيام بجلسات حوارية (دعم نفسي) في كافة القطاعات المجتمعية مبتعدين بشكل كلي عن الأسلوب النمطي والتقليدي”.

ويكمل وليد حياته وسط الصراعات، بعد أن زود نفسه بجرعات الصبر، منتظراً ذلك اليوم  المنشود الذي يأتي حاملاً معه راحة البال و حلولاً جذرية لجميع مشاكله.