صورة تعبيرية من الأرشيف

إيمان ديراني (عيني عينك) – استيقظت  السيدة “أم محمد”  إحدى المحاصرات في مدينة داريا، على صوت قرع الباب لا على صوت الطائرة كعادتها، إنها جارتها ‘أم يعقوب’ التي بادرتها قبل السلام بقولها: “سيخرجوننا من البلد” وقد اغرورقت عيناها بالدموع، لترد ام محمد مهدئة ومطمئنة كعادتها  وبكل ثقة  :” لا إنها اشاعة اليوم” ولكن ما لبث ان عاد زوجها ليأكد هذا الخبر.

نعم، إنهما خياران لا ثالث لهما إما الموت بالقصف الروسي ودخول جيش النظام  وما يتبعه من اعتقالات وقتل أو التهجير،  ليختار أهل المدينة الحفاظ على من تبقى من الارواح والاعراض  ويفاوضوا النظام على الخروج بسلاحهم الخفيف، إلى الشمال السوري وتفريغ المدينة بشكل كامل من أهلها. كان ذلك في 26/8/2016.

تكمل أم محمد  سرد أحداث ذلك اليوم: “لم يكن هناك من وقت كاف لنستوعب تلك الصدمة. يوم الخروج أذكر أنني أمضيت يومي بين صلاة ودعاء وابتهال إلى الله أن لا نخرج من أرضنا”.

لم يكن الوقت كافياً، خاصة وأن الجميع لم يستطع تصديق الأمر وقبوله بل كان الكثيرون منهم ينتظرون المعجزة  التي تقيهم التهجير، تقول أم محمد :” لم ننم تلك الليلة  كنا نمني أنفسنا بخبر سار عند الصباح”.

لكن المفاوضين ومن معهم من قادة عسكريين أكدوا أنه لا حل آخر، فقد نفذت ذخيرة الجيش الحر. ولم يبق لديهم من مواد أولية لصناعة العبوات الناسفة التي ترد الدبابات والكاسحات التي استخدمها جيش النظام في استراتيجية جديدة لقضم الأراضي الزراعية، التي يعتمد عليها  السكان لتأمين شيء من قوتهم وقوت دوابهم، حتى حوصروا  في مساحة لا تتجاوز 2 كيلومتر وبواقع 60 برميل متفجر يومياً، ووصل الأمر إلى استخدام براميل  النابالم  و كانت حممها تخترق الأقبية، ومع قلة المعدات وانهمار البراميل توقف عمل الدفاع المدني إلا من إسعاف الجرحى والمصابين.

تعود أم محمد لتكمل سردها لأحداث يوم التهجير فقد تحددت ساعات انطلاق الحافلات التي كانت أشد أنواع العذاب بالنسبة لأهالي المدينة و كان الاجتماع الأول لأهل المدينة في المقابر حيث امتلأ المكان بذوي الشهداء وأصدقائهم وعيون الجميع تحكي مشاعرهم حيث لم يستطع أحد إخفاء دموعه ولا حتى نشيج الرجال لم يخفيه بكاء النساء تقول أم محمد: “شعرت أن القبور تبكي”.

كان موعد انطلاق الحافلات في العاشرة صباحاً وكان على الجميع تجهيز أغراضهم الضرورية وحملها والانطلاق بها نحو مكان اجتماع الحافلات.

لكن ماذا حمل المهجرون والمهجرات  في حقائبهم عند خروجهم ؟

سالت الكثير منهم وكان جوابهم أنهم لم يحملوا من الثياب والامتعة إلا القليل القليل لكن كل واحد منهم حمل ذكرى متمثلة في شيء قد يكون لا قيمة له عند غيرهم ولكنه الغرض الأهم بالنسبة لهم.

“أم هيثم”  مهجرة من مدينة داريا عائلتها مؤلفة من ستة نفر حملت بين يديها صرة صغيرة يتوقع الناظر إليها أن فيها ما خف وزنه وغلا ثمنه وعند سؤالها  أجابت: “أحمل حفنة تراب من مدينتي أريد ان اشتم ترابها كل يوم ولعلي إن مت في غربتي أن تدفن تلك الحفنة معي فهي تربة أجدادي ورائحتها  عبق من سال دمهم الطاهر فوقه”.

أما شادي الشاب الذي كان يعمل في مكتب الإعلام فقد أصر على حمل كمرته التي  أصيبت معه يوم أصيب في يده. رغم أن الكاميرا معطلة تماماً ولا يمكن إصلاحها فهي تذكره بتفاصيل أيام الحصار أما ‘أم عبد الرحمن’ فهي تحمل رمز مصابها قبعة وقميص لولدها الشهيد تقول :”اني أشتم  رائحة ابني  منهما”.

السيدة ‘عائشة’ حملت كتيباً صغيراً للأدعية، تخرجه من محفظتها الصغيرة لتريني أثر تلك الشظية فيه، والتي اخترقت من خلاله صدر ولدها  قبل أن يستشهد، وقد كان في جيب قميصه  وآثار دمه لم تزل ظاهرة عليه.

تقول :”أحمله بمحفظتي  أينما ذهبت” ثم تضمه إلى صدرها بكلتا يديها وتشمه بنفس عميق لتسترجع ذكريات ولدها، وتحدثني عنها”.

أما الشابة ‘سارة’ من الغوطة الشرقية لدمشق، فقد حملت بين أمتعتها  بعض كتيبات من مكتبة والدها للشاعر “محمود درويش” وللكاتب “علي الطنطاوي” فكثيراً  ما كانت هذه الكتيبات مصادر ترويح عن النفس لها بعد  حرمانها من إتمام دراستها خلال أربع سنوات من الحصار.

“أم غيث” التي فقدت أربعة من أولادها  في داريا  تحت براميل الموت عندما ألقتها طائرات النظام على منزلها، حملت ما تبقى من صورهم، وفي زاوية من حقيبتها وضعت أشياء خاصة لكل واحد منهم، تقول :”هذه الأشياء هي الأهم بالنسبة لي أحضنها عندما يزداد شوقي لأبنائي وأشم منها رائحتهم”.

أما “أم عصام” وهي مهجرة أيضاً من غوطة دمشق، فقد احتفظت بمفاتيح بيتها و بأوراق ووثائق تثبت ملكيتها لمنزلها المدمر، وبدفتر جففت بداخله عدة زهرات من ياسمينة دارها التي ما تزال خضراء مزهرة بين الركام.

أما ‘إيمان’ التي فقدت زوجها باكرا فاثمن ما لديها شريحة الذاكرة والقلاشة  التي تحفظ داخلهما أدفأ الذكريات وأجملها وهاتف زوجها النقال تقول :”هذا ما بقي لصغيري من ذكريات أبيه”.

تتنهد ‘ام عامر’ و تظهر عبرات الندم :”لم احمل من أشيائي المهمة شيء، كنت أظن أنني سأعود في الغد، خاصة وأنني اخترت أن أخرج إلى مناطق سيطرة النظام، وليس إلى الشمال، لكن وبعد احتجازنا في مراكز الإيواء لأشهر ومنع أهالي داريا من العودة لمدينتهم  لم يكن لي إلا الهجرة إلى الشمال “تقلب صور لبيتها المعفش من قبل جيش النظام وشبيحته شاشة هاتفها  :”لقد سرقوا كل ذكرياتنا، وداسوا على احلامنا”.

ولكن بماذا يحلمون ؟

“سنرجع يوما… مهما طال الزمان…”

أم عامر وإيمان وسارة وأم عصام وجواباً على سؤالي عن حلمهم أجبن بنفس الجواب : “العودة إلى مدينتي حتى وإن كان سكني خيمة فوق أنقاض بيتي”

كما كان الخروج منها عنوة، أصبحت العودة إليها أيضا حلماً. تلح أم ‘غيث’ بالدعاء :” الله يرجعنا لبلادنا بعزة وكرامة عاجلاً غير آجل”.